وكون والد الورى قد أكلا ... وما سوى ذلك مما أشكلا
(وكون والد الورى) أي: الخلق يعني نوع البشر منهم وهو آدم عليه السلام (قد أكلا) بألف الإطلاق، أي: أكل من الشجرة التي من الشجرة التي نهاه عنها في قوله سبحانه: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35] والجواب عن ذلك أن الله تعالى به أن يأمر وينهى ويلقب بالألقاب لمن شاء كيف شاء ويؤاخذ ويعفوا على وجه التكليف وعلى وجه التشريف قبل بعثه الرسل وبعدها لمن هو محل التكليف كالإنسي والجني ولمن لم يكن محل التكليف كما قال للسماوات والأرض والجبال كما في الآية، فأخبر تعالى عن آدم عليه السلام أنه نهاه عن أكل الشجرة ولم يكن لآدم حينئذ بعثة ولا تكليف بشرع ولا أمة له، وأخبر تعالى أنه أمر إبليس بالسجود لآدم فأبى واستكبر حيث لم يقبل هذا الأمر وكان من الكافرين، ولم يكن كفره من عدم سجوده لآدم فإن العصيان ليس بكفر خصوصا العصيان قبل شرع الشرائع وتقرير الأحكام بالبعثة، وإنما كفره من عدم قبوله للحكم الإلهي عليه بما أمر به وهي الإنابة المذكورة في الآية، فأخبر تعالى عنه أنه من الكافرين، وآدم عليه السلام قبل النهي ولكنه فعل ما نهي عنه بوسوسة الشيطان له بذلك فلقبه الله تعالى بما أخبر عنه من أنه عصى وغوى وكان من الظالمين، وأنه اجتباه وتاب عليه وهدى، كما قال لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]
مع علمه تعالى أن هذه الأمور لا تصدر منه صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يشرك ولا يحيط عمله ولا يكون في الآخرة من الخاسرين، ولكن لما كانت الأنبياء عليهم السلام من أعز الخلق على الله وأكملهم وأشرفهم عنده أخبر عنهم بمثل ذلك حتى يعتبر بهم غيرهم ممن هو دونهم من الأمم في مخافة أمره ونهيه وهذا الإطلاق في حقهم لا يخرجهم من مقام عصمته لهم حفظه لأحوالهم واحترامه تعالى لجنابهم لأنهم خاصة خلقه وأشرف عباده، فحسنات غيرهم إذا صدرت عنهم كانت سيئات لهم عند ربهم فيلامون عليها ويعاتبون ويطلق عليهم بسببها لقب العصيان ونحو ذلك: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 15]