فهرس الكتاب
وقل إذا استدللت للتبليغ ... لو كتموا لكان ذا تسويغ
فيتكلم المرء العلوم النافعة ... عن طالب لها ويغدو مانعه
(وما سوى ذلك) المذكور في يوسف وآدم عليهم السلام (مما أشكلا) بألف الإطلاق في حق بقية الأنبياء عليهم السلام، فإنه محمول على أحسن المحامل ومصروف عن ظاهره المقتضى للنقص في مقاماتهم العلية، وهو غير مناف لعصمتهم من جميع الذنوب الكبائر والصغائر قبل النبوة وبعدها عمدها وسهوها وخطأها كما قدمنا.
والحاصل أنه لا تقاس ذنوب المعصومين المحفوظين عند ذي الجلال على ذنوب غير المعصومين من القاصرين الغافلين المغمورين في ظلمات الطبع والهوى كما لا تقاس حسناتهم بحسنات غيرهم، وما أحسن قول الشيخ العارف بالله محمد بن وفا المصري قدس الله سره هذا المقام من النظام:
عبادك يا مولى الذي هم ... عبادك محفوظين حفظ الحبائب
من الذار لم يبدوا بصافي ذواتهم ... سوى نورك الماحي لجنح الغياهب
ذوات صفت معنى ولطفا ورونقا ... وصينت عن الأكدار من كل جانب
ورضي الله تعالى عن حسان شاهر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال في قصيدته يوم فتح مكة في المديح المحمدي:
خلقت مبرأ من كل عيب ... كأنك قد خلقت كما تشاء
وللبوصيري رحمه الله تعالى في مثل ذلك:
كرمت نفسه فلا يخطر السوء ... على قلبه ولا الفحشاء
(وقل) يا أيها المكلف (إذا استدللت) أي: أقمت الدليل (للتبليغ) أي: تبليغ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لجميع ما أمروا بإبلاغه لأممهم (لو كتموا) فلو كتموا فلم يبلغوا شيئا من ذلك (لكان) أي: ذلك الكتمان (ذا) أي: صاحب (تسويغ) أي: كان أمرا سائغا، أي: جائزا، يقال: ساغ فعل الشيء، بمعنى الإباحة ويتعدى بالتضعيف فيقال سوغته، أي: أبحثه كذا في المصباح,
(فيكتم المرء) أي: الإنسان (العلوم النافعة) بسكون الهاء للوزن (عن طلب لها) من الناس (ويغدو) أي: يصير (مانعه) بسكون الهاء أيضا أي: مانع العلم النافع ويسوغ له ذلك شرعا.