الصفحة 119 من 180

فليس إلا الغير بالأزمان ... للمنع من غيرية الأبدان

فبان أن الوقت لا يعاد ... من ذلك الحصر الذي يفاد

وهكذا الحساب والميزان ... من ماء به قد وجب الإيمان

(فليس) في قوله: جلودا غيرها أن الجلود التي يقع عليها العذاب غير الجلود الأولى لأن الثانية لم تعص فكيف تعذب وتعذيب من لم يعص ظلم وهو على الله محال (إلا) أن يكون (الغير بالأزمان) فتعود بعينها وهو غيرها باعتبار الأزمان المتغايرة (للمنع من غيرية الأبدان) إذ يلزم منه تعذيب من لم يعص كما ذكرنا.

وذكر البيضاوي أن هذه الغيرية باعتبار صورة أخرى لقولك بدلت الخاتم قرطا، أو بأن يزال عنها أثر الإحراق ليعود إحساسه للعذاب، وقيل: يخلف مكانه جلدا آخر، والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية المدركة لآلة إدراكها فلا محذور. انتهى

قلت: فعلى هذا الأوجه للحصر المذكور فلا يرد الاعتراض المذكور. (فبان) بهذا التأويل (أن الوقت) أي: الزمان (لا يعاد من ذلك الحصر) اللازم (الذي يفاد) من عبارة النظم المذكورة، إذ لو أعيد الزمان بعينه يوم القيامة لم تكن الغيرية باعتبار الزمان حيث كان زمان العذاب هو زمان المعصية بعينه وقد أعيد، فتكون الغيرية بدنية ويلزم منه ما ذكرناه.

(وهكذا) أي: كالأمور المذكورة (الحساب) يوم القيامة من الله تعالى لعباده المكلفين. والحساب: لغة العد. واصطلاحا: توفيق الله تعالى عباده قبل الانصراف من المحشر على أعمالهم خيرا كانت او شرا تفصيلا لا بالوزن إلا من استثناء منهم، وقد اختلف العلماء في معنى كونه تعالى محاسبا عباده على ثلاثة أقوال:

أحدهما: أنه تعالى يعلمهم ما لهم وما عليهم. قال الفخر الرازي: بأن يخلق الله تعالى سبحانه في قلوبهم علوما ضرورية بمقادير أعمالهم من الثواب والعقاب. وثانيها: وهو منقول عن ابن عباس رضي الله عنه، وأن الله تعالى يوقف عباده بين يديه ويؤتيهم كتب أعمالهم فيها سيئاتهم وحسناتهم، فيقول: هذه سيئاتكم فقد تجاوزت عنها، وهذه حسناتكم وقد ضاعفتها لكم.

وثالثها: أ ن يكلم الله عباده في شأن أعمالهم وكيفية ما لها من الثواب والعقاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت