الصفحة 123 من 180

تبا لقوم ألحدوا في أمره ... ما قدروا الإله حق قدره

وقال اللقاني رحمه الله تعالى في شرح الجوهرة: وإمكان العبور ظهار كالمشي على الماء والطيران في الهواء غايته مخالفة العادة، ولا شك أن الآخرة أكثر أحوالها خوارق وهي محل امتحاء أكثر الرسوم المعتادة ومعدن انفجار أمرو لم تخطر قط ببال أكابر العلماء السادة، وما جاء في محله فلا يستغرب ولا يسأل عنه، كيف وقد شاهدنا في الدنيا حسا ما يؤكد جواز ذلك، فإن الطير في الهواء يسيره الله تعالى فيه على ثلاثة أنواع: الأول أنه يذهب في الهواء فاتحا جناحيه محركها. والثاني: أنه يذهب فاتحا جناحيه غير محركها أصلا. والثالث: أنا شاهدناه يذهب في سرعة شديدة قابضا جناحيه لا محركها ولا ناشرهما إذا شوهد هذا المعنى واستبان بالعيان أنه لا أثر لجناح ولا لتحريكه في الطيران، وإنما الله سبحانه يمسك ما شاء كيف شاء، فكيف يستبعد مرور الخلائق على الصراط على الوصف الذي وصف به عليه الصلاة والسلام، ثم إن الله تعالى يسهل الصراط على من أراد كما جاء في الحديث: إن منهم من يمر كالبرق الخاطف ومنهم من يمر كالريح الهابة، ومنهم من يمر كالجواد المسرع، ومنهم من تسوخ رجلاه في النار وتتعلق يداه، ومنهم من يجر على وجهه. انتهى

قلت: ومن هذا القبيل ما روى البخاري، ومسلم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رجلا قال: يا رسول الله! أيحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على رجليه في الدينا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة. قال قتادة: روي هذا الحديث عن أنس بلى وعزة ربنا.

(تبا) بفتح التاء المثناة الفوقية وفتح الباء الموحدة مشددة، أي: هلاكا وخسرانا (لقوم الحدوا) أي: مالوا عن الحق إلى الباطل. وفي المصباح: الحد الرجل في الدين لحد وألحد إلحادا طعن. وقال أبو عبيدة: ألحد إلحادا جادل ومارى. (في أمره) أي: الصراط. قال للقاني رحمه الله تعالى: اتفقت لأمة على إثبات الصراط في الجملة وأهل السنة يبقونه على ظاهره من كونه جسرا ممدودا على متن جهنم أحد من السيف وارق من الشعر، وأنكر هذا الظاهر القاضي عبد الجبار المعتزلي وكثير من أتباعه زعما منهم أنه لا يمكن العبور عليه وإن أمكن، ففيه تعذيب ولا عذب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة، وإنما المراد به طريق الجنة المشار إليه بقوله تعالى: {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت