فقد وقع إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم على قبول إيمان المقلد، وقال الله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 136] . إلى آخر الآية فهو الإقرار باللسان.
ثم قال تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} [البقرة: 137] . يعني: صدقوا بمثل ما صدقتم به وهذا هو التصديق بالقلب، ولم يذكر العمل بالأركان وقد أخبر تعالى أن من قال ذلك وهو مؤمن به فقد اهتدى ولم يشترط سبحانه إقامة دليل على ذلك ولا نص برهان، وهذا نص كتاب الله تعالى.
وروى البخاري، ومسلم في صحيحيهما، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم غلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) .
فليس في هذا الحديث الصحيح اشتراط دليل ولا برهان في أمر الإيمان.
وذكر العيني في شرح البخاري قال:"والإيمان عند المحققين وإليه ذهب الأشعري وأكبر الأئمة كالقاضي عبد الجبار والأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني، والحسين بن الفضل، وغيرهم هو مجرد التصديق بالقلب، أي: تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما علم مجيئه به بالضرورة تصديقا جازما مطلقا، أي: سواء كان بدليل أو لا، فقولهم: مجرد التصديق إشارة إلى أنه لا يعتبر فيه كونه مقرونا بعمل الجوارح والتقليد بالضرورة لإخراج ما لا يعلم بالضرورة إذ الرسول جاء به كالاجتهاديات كالتصديق بأن الله تعالى عالم بالعلم أو عالم بذاته، والتصديق بكونه تعالى مرئيا أو غير مرئي فإن هذين التصديقين وأمثالهما غير داخلة في مسمى الإيمان، ولهذا لا يكفر منكر الاجتهاديات بالإجماع، والتقييد بالجازم لإخراج التصديق الظني فإنه غير كاف في حصول الإيمان، والتقييد بالإطلاق لدفع وهم خروج الاعتقاد من القلب، فإن إيمانه صحيح عند الأكثرين وهو الصحيح، وذكر الإمام القرطبي في شرح صحيح مسلم قال:"
"مذهب السلف وأئمة الفتوى من الخلف أن من صدق بهذه الأمور، يعني: الواقعة في حديث جبريل عليه السلام لمّا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة رجل سأله عن الإيمان والإحسان وأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بما أجابه به تصديقا جزما لا ريب فيه ولا تردد ولا توقف كان مؤمنا حقيقة سواء كان ذك عن براهين قاطعة أو عن اعتقادات جازمة، وعلى هذا انقرضت الأعصار الكريمة، وبه صرحت فتاوى أئمة الهدى المستقيمة حتى حدثت"