وهو معرض لشك يطرق ... وفيه للأشياخ تنمى طرق
مذاهب المعتزلة المبتدعة، فقالوا: إنه لا يصح الإيمان الشرعي إلا بعد الإحاطة بالبراهين العقلية والسمعية، وحصول العلم بنتائجها ومطالبها ومن لم يحصل إيمانه كذلك فليس بمؤمن ولا يجزي إيمانه بغير ذلك، وتبعهم على ذلك جماعة من متكلمي أصحابنا كالقاضي أبي بكر وأبي إسحاق الإسفرايني وأبي المعالي في أحد قوليه، والأول هو الصحيح. إذ المطلوب من المكلفين ما يقال عليه إيمان لقوله تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النساء: 136] .
والإيمان هو التصديق لغة وشرعا، فمن صدق بذلك كله ولم يجوز نقيض شيء من ذلك فقد عمل بمقتضى ما أمر الله به على نحو ما أمره الله به، ومن كان كذلك فقد قضى عهدة الخطاب إذ قد عمل بمقتضى السنة والكتاب ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أصحابه تعده حكموا بصحة غيمان كل من آمن وصدق بما ذكرناه ولم يفرقوا بين من آمن عن برهان أو عن غيره؛ ولأنهم لم يأمروا أجلاف العرب بترديد النظر ولا سألوهم عن أدلة تصديقهم ولا أرجئوا إيمانهم حتى ينظروا ويتحاشوا عن إطلاق الكفر على أحد منهم بل سموهم المؤمنين والمسلمين وأخذوا عليهم أحكام الإيمان والإسلام؛ ولأن البراهين التي حررها المتكلمون ورتبها الجدليون إنما أحدثها المتأخرون، ولم يخض في شيء من تلك الأساليب السلف الماضون، فمن المحال والهذيان أن يشترط في صحة الإيمان مالم يكن معروفا ولا معمولا به لأهل ذلك الزمان وهم أكثر منهم فهما عن الله وأخذا عن رسول الله وتبليغا لشريعته وبيانا لسنته وطريقه انتهى. وتمامه في كتابنا (فتح المقند المبدي) . فلنرجع إلى شرح ما نحن بصدده في هذا المقام من أبيات هذا النظام جريا على قاعدة علماء الكلام، بعد تحقيق المقصود والمرام.
(لأنه) أي: المقلد. (إيمانه على خطر) بالسكون: وهو الإشراف على الهلاك وخوف التلف. كذا في المصباح، والخظر في ذلك قبول التشكيك من شكك عليه في أمر من أمور الدين وعروض فتنة له في ماله أو بدنه أو اهله فتحمله على جحود اطلاع الله تعالى عليه أو نسبته تعالى إلى الظلم أو أمور أخرى تعتري أهل الجهل والغفلة ولهذا قال بعده: (وهو) أي: المقلد, (معرض) بصيغة اسم المفعول، يقال: تعرض للمعروف وتعرض يتعدى بنفسه وبالحرف، إذا تصدى له وطلبه كذا في المصباح. أي: متصدي له ومطلوب. (لشك) في دينه واعتقاده الذي قلد فيه غيره. (بطرق) ذلك الشك له، من الطرق، وهو: الإتيان ليلا في القاموس.