وبعد أن لم يك شيئا صارا ... حيا حوى الأسماع والأبصار
والحكمة الرّائقة للعيان ... والفضل بالمنطق والبيان
والعقل والغرض على الحقائق ... والعلم بالأسرار والدقائق
وغيرها من أمره الغريب ... وحصره يعيي قوى الأريب
(وبعد أن لم يك) أي: يكن، حذف النون لغة فيها (شيئا) كما قال الله تعالى: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9] . (صار) بألف الإطلاق، أ]: الإنسان (حيا) أي: ذا حياة (حوى) أي: حاز ونال (الأسماع) جمع سمع (والأبصار) جمع بصر والألف للإطلاق، قال الله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2] . (و) حوى أيضا (الحكمة) هي العدل والعلم والحكم كذا في القاموس. (الرائقة) أي: المعجبة، من راقه الشيء: أعجبه. (العيان) أي: المعاينة يعني التي تعجب كل من عاينها. (والفضل) بالنصب عطف على الحكمة، أي: حوى الفضيلة، بمعنى المزية على جميع المخلوقات (بالمنطق) وهو النطق (والبيان) أي: الإفصاح عما في القلب، قال تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: 3، 4] . إيماء بأن خلق البشر وما يميز به عن سائر الحيوان من البيان وهو التعبير عما في الضمير وإفهام الغير لما أدركه لتلقي الوحي وتعرف الحق وتعلم الشرع قاله البيضاوي.
(و) حوى (العقل) هو العلم، أو بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها، أو العلم بخير الخيرين وشر الشرين، أو يطلق الأمور لقوة بها يكون التميز بين القبيح والحين، ولمعان مجتمعة ف الذهن تكون بمقدمات يستلب بها الأغراض والمصالح، ولهيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلامه. والحق أنه نور روحاني به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ كذا في القاموس. (و) حوى (الغرض) هو في الأصل الترول تحت الماء وهو هذا كناية عن استعمال الفكر للحصور (على الحقائق) العلمية (و) حوى (العلم بالأسرار) جمع سريرة، وهو: ما يكتم والمراد ما خفي من بدائع الحكم وروائع النعم (والدقائق) جمع دقيقة، وهي: الأمر الغامض من شرائف مسائل العلوم ولطائف فضائل الفهوم.
(و) حوى (غيرها) أيضا (من أمره) أي: الإنسان (الغريب) في ظاهره وباطنه (وحصره) أي: أمر الإنسان وشأنه الذي هو فيه (يعيي) أي: يتعب (قوى) جمع قوة (الأريب) أي: العاقل ولبيت الذي بعده نقص من أوله.