وما يفوهون به في الشطح ... فقيل غير مقتض للقدح
وهو إلى التأويل ذو انتحال ... أو أنهم قد غلبوا بالحال
قال اليافعي اليمني رحمه الله تعالى في كتاب صنفه في ذلك: روينا عن الأستاذ أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه قال: من علامات المحب متابعة حبيب الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقه وأفعاله وأوامره ونواهيه وسننه.
(وما يفهون) أي: يتكلمون يعني الصوفية (به) من الكلمات التي يفهم منها المخالفة للشريعة بحسب المعنى الظاهر للعوام ولمن يستعمل اصطلاحات العلوم الظاهرة من الخواص (في) حال (الشطح) وهو حال الغيبة عن عالم الحس والاشتغال بعالم الملكوت الأعلى (فقيل غير مقتض) أي: متضمن (للقدح) فيهم، أي: الإعابة عليهم والانتقاض لهم؛ لأنه في تلك الحالة مغلوبين في أحوالهم (وهو) أي: ذلك الأمر الصادر منهم (إلى التأويل) بالمعاني الحسنة (ذو انتحال) أي: الدعاء وانتساب، من قولك: انتحله وتنحله، ادعاه لنفسه وهو لغيره كذا في القاموس، يعني: هو لازم التأويل كيلا يظن بأولياء الله تعالى سوء.
قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: وما تداولته ألسنة الصوفية من كلمات تشير إلى ما يوهم عند غير المحصل شيئا من معنى الحلول والاتحاد فذلك غير مظنون بعاقل فضلا عن التميز بخصائص المكاشفات
وقال الشعراوي رحمه الله تعالى: ولعمري إذا كان عباد الأوثان لم يتجرؤوا على أن يجعلوا آلهتهم عين الحق بل قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] . فكيف يظن بأولياء الله تعالى أنهم يدعون الاتحاد بالحق على حد ما تتعقله العقول الضعفة. هذا كالمحال في حقهم رضي الله عنه، إذما من ولي إلا وهو يعلم أن حقيقته تعالى قديمة وأنها خارجة عن معلومات جميع الخلائق؛ لأن الله تعالى بكل شيء محيط.
(أو أنهم) أي: القائلين بذلك الشطح (قد غلبوا) بالبناء للمفعول (بالحال) أي: تقتضي غيبة عقل التكليف فلا تترتب الأحكام مع غيبة العقل.