والله عن أفعاله لا يسأل ... والقدري لم يقل ما يعقل
وجوّز البعض دليل السمع ... في وحدة وقيل ذا ذو منع
(والله عن أفعاله) أي: عن منفعلاته الصادرة عنه سبحانه وتعالى التي منها جميع العباد المكلفين، وجميع أعمالهم وأحوالهم في ظواهرهم وبواطنهم (لا يسأل) أي: لا يقال له لم خلقت العبد وخلقت له قدرة وإرادة العمل الفلاني ثم خلقت له العمل الفلاني على طبق قدرته عليه وإرادته له كما قال تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُو} [الأنبياء: 23] . أي: إنما يسأل عما يفعل العبد الكلف الذي خلق الله تعالى العمل ليكون وصفا له، فإن الخالق سبحانه لا يوصف بما يخلقه من الأوصاف، فإن خالق البياض في القرطاس مثلا لا يوصف بأنه أبيض، وإنما يوصف بذلك القرطاس، فلو خلق في القرطاء قدرة عليه وإرادة له لكان ذلك كسبا منه فلما لم يخلق القدرة والإرادة في القرطاس كان ذلك جبرا فيه وليس العبد المكلف كذلك بل به كسب ولا جبر فيه، والقدرة المخلوقة في العبد على طبق إرادته المخلوقة في كناية عن قوتين عرضيتين تظهران في القلب وتنتشران في الأعضاء فيخلق الله تعالى عندهما لا بهما ولا فيهما ذلك الأمر الذي توجهتا عليه فينسب إليها بحسب الظاهر أنه كسبهما، والكل خلق الله تعالى على كل حال ولا يتصور الجبر في ذلك لأن العبد ليس منه ممانعة أصلا ولا في خلق الإرادة فيه والقدرة بل فيه القبول لكل ما يخلق الله تعالى فيه والقبول ينافي الجبر على مالا يخفى (والقدري) أي: المنسوب إلى مذهب القدرية من المعتزلة، ومذهبهم أن لهم قدرة يخلقون بها أعمالهم التي تعلقت بها إرادتهم (لم يقل ما) أي: قولا (يعقل) لأنهم يدعون التوحيد ويعتقدون الشرك مع الله تعالى في الخلق والإيجاد، فلو كانت لهم قدرة مؤثرة كما زعموا لمنعوا بها عن أنفسهم الأوجاع والأمراض، وجلبوا بها لنفسوهم المقاصد والأغراض، ودفعوا بها عنهم الموت، ولم يدركهم بها الانقضاء ولفوت، ولكن عقولهم مغرورة، ونفوسهم مغمورة، وقلوبهم بذكر الله تعالى غير معمورة.
(وجوز) أي: صحح (العض) من العلماء إقامة (دليل السمع) أي: من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية حجة الخصم القدري وغيره لأنه مؤمن بالدين والشرع (في) إثبات (وحدة) أي: وحدانية الله تعالى وأن لا مؤثرة سواه تعالى في كل شيء بقوله تعالى سبحانه: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] وقوله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] . ونحو ذلك (وقيل ذا) أي: دليل السمع (ذو) صاحب (منع) أي: يمتنع