الصفحة 87 من 180

بل ما بفعله أمرنا فالحسن ... وضده انقاد لقبح بالرسن

فلو عليه وجب الصلاح ... سبحانه عم الورى الفلاح

وفي شرح منظومة ابن الجزري الشيخ السنوسي رحمه الله تعالى قال: إن الذي أوقع المعتزلة في الضلالات كإيجاب الثواب وفعل الصلاح والأصلح على الله تعالى اعتمادهم في عقائدهم على التحسين والتقبيح بالعقليين وقياسهم أفعال الله تعالى وأحكامه على أفعال المخلوقين وأحكامهم من غير أن يكون في ذلك جامع يقتضي التسوية في الأحكام، والذي أجمع عليه أهل الحق أن الأفعال كلها مستوية بالنسبة إلى تعلق أحكامه تعالى الشرعية بها فلا يتصف شيء منها بالحسن لذاته أو صفة كما لا يتصف شيء منها بالقبيح لذاته أو صفة فلا يجب أدنى شيء منها عقلا على الله تعالى ولا يستحيل، وكذا لا مجال للعقول في حكم شرعي لها، فليس الحسن شرعا عند أهل الحق إلا ما قيل فيه من جهة مولانا عز وجل افعلوه ولا القبيح شرعا إلا المقول ففيه من جهته لا تفعلوه، وتخصيص كل واحد من الأفعال بما اختص به من الأحكام لا علة له ولا غرض يبعث عليه وللشرع حكم إن يقله نتبعه في ذلك وإن سكت فلا مجال لعقولنا في ذلك أصلا. انتهى

قلت: وهذا الكلام في التحسين والتقبيح لا ينافي ما سبق عن شرح العمدة من أن حسن بقض الأشياء وقبح بعضها يدرك بالعقل بديهة أو استدلالا كما مر؛ لأن العقول غير ملزم في حسن ولا مبصر في قبيح وإن كان مدرك لبعض ذلك فإن الإلزام والتغيير يعني الإيجاب والنهي شرعيان لا عقليان، ولهذا قال في شرح العمدة بعد ذكره ما تقدم: إن العبد موجد لأفعاله. وعندنا العقل آلة المعرفة والموجب هو الله تعالى إلى آخر عبارته، وإنما الحاكم هو الشرع فلا حكم بحسن ولا قبح قبل ورود الشرع مطلقا عندنا.

(بل ما) أي: الذي (بفعله) من الطاعات (امرنا 9 بالبناء للمفعول أي: أمرنا الله تعالى(فالحسن) بالسكون للوزن (وضده) أي: الذي أمرنا بتركه والكف عنه فإنه (انقاد لقبح بالرسن) بالسكون أيضا أي: فهو قبح (فلو) كان (عليه) أي: الله تعالى (وجب الصلاح) أو الأصلح (سبحانه) تنزيه له عن ذلك (عم) أي: شمل جميع (الورى) أي: المكلفين (الفلاح) أي: الهداية والرشاد؛ لأن ذلك هو الصلاح والأصلح لهم دون ما هم عليه من فلاح البعض وهدايتهم وغواية البعض وضلالتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت