""""""صفحة رقم 235""""""
أموال الفيء على أن يقوموا بدفع الكفار عن المسلمين فوجب عليهم السعي في تحصيل ما يحصل به الدفع ، ويؤيد هذا ما ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي عبيدة علموا غلمانكم العوم ومقاتلتكم الرمي وهذا الوجوب من باب إيجاب ما لا يتم الواجب إلا به ، كإيجاب نصب السلم عند إيجاب صعود السطح وليس من باب الوجوب المطلق ، وهو أيضاً إذا نظر إليه في حد ذاته لم يحكم عليه بخصوصه إلا بالنسبة كغسل بعض الرأس والرقبة مع الوجه في الوضوء فإنه من باب مقدمة الواجب ويطلق عليه الوجوب لأجل تحقق استيعاب الوجه ، وإذا نظر إليه في حد ذاته كان سنة لأن الواجب الأصلي في الوضوء غسل الوجه لا بعض الرأس والرقبة ، فإتضح بهذا قول الأصحاب أنه من قسم السنة لا من قسم الواجب ولا المباح المستوى الطرفين والله أعلم .
مسألة: في أي سنة كان فرض الجهاد ؟
الجواب: روى أحمد ، والترمذي ، والحاكم ، وغيرهم عن ابن عباس قال: لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلّم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن فنزلت: ) أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ( الآية قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال ، قال ابن عباس: فهي أول آية نزلت في القتال ، قال ابن الحصار من أئمة المالكية في كتابه الناسخ والمنسوخ: استنبط بعضهم من هذا الحديث أنها نزلت في سفر الهجرة ، وأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن مجاهد قال: خرج ناس مؤمنون مهاجرين من مكة إلى المدينة فأتبعهم كفار قريش فأذن الله لهم في قتالهم فأنزل الله ) أذن للذين يقاتلون ( الآية فقاتلوهم ، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس أن نفراً من قريش ومن أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة فاعترضهم إبليس فذكر القصة قال: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلّم اثنتي عشرة سنة بمكة ثم أذن الله له بالخروج إلى المدينة وأمرهم بالهجرة وافترض عليهم القتال فأنزل الله: ) أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ( الآيتان فكان هاتان الآيتان أول ما نزل في الحرب ، وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير قال: إن أول آية نزلت في الجهاد حين ابتلى المسلمون بمكة وسطت بهم عشائرهم ليفتنوهم عن الإسلام وأخرجوهم من ديارهم فأنزل الله ) أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ( الآية وذلك حين أذن الله لرسوله صلى الله عليه وسلّم بالخروج وأذن لهم بالقتال . وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: أن مشركي أهل مكة كانوا يؤذون المسلمين بمكة فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلّم في قتالهم بمكة فلما خرج إلى المدينة أنزل الله ) أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ( وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ) أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ( قال: أذن لهم في قتالهم بعدما عفى عنهم عشر سنين .
هذه الآثار كلها: متضافرة على أن ذلك كان في السنة الأولى من الهجرة غير أن هذه الآية مبيحة لا موجبة ، وقد نص الإمام الشافعي رضي الله عنه على أن القتال كان قبل الهجرة ممنوع ثم أبيح بعد الهجرة ثم وجب بآيات الأمر فلعل الإيجاب كان في آخر السنة