""""""صفحة رقم 119""""""
وشريعة اليهود والنصارى لا سهولة فيها بل هي في غاية المشقة والثقل كما هو معلوم من قوله تعالى: ) ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ( وغير ذلك فلذلك لا تسمى إسلاماً .
المعنى الثاني: أن الإسلام اسم للشريعة المشتملة على فواضل العبادات من الجهاد والحج والوضوء والغسل من الجنابة ونحو ذلك ، وذلك خاص بهذه الأمة لم يكتب على غيرها من الأمم ، وإنما كتب على الأنبياء فقط كما تقدم في أثر وهب: ( أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل ) فلذلك سميت هذه الأمة مسلمين كما سمى بذلك الأنبياء والرسل ولم يسم غيرها من الأمم ، ويؤيد هذا المعنى ما وأخرجه أبو يعلى من حديث علي مرفوعاً: ( الإسلام ثمانية أسهم شهادة أن لا إله إلا الله والصلاة والزكاة والحج والجهاد وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) وما أخرجه ابن جرير في تفسيره ، والحاكم في المستدرك عن ابن عباس قال: ما ابتلي أحد بهذا الدين فقام به كله إلا إبراهيم قال تعالى: ) وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ( قيل ما الكلمات ؟ قال: الإسلام ثلاثون سهماً عشر في قوله: ) التائبون العابدون ( إلى آخر الآية . وعشر في أول سورة ) قد أفلح ( و ) سأل سائل ( وعشر في الأحزاب: ) إن المسلمين والمسلمات ( إلى آخر الآية فأتمهن كلهن فكتب له براءة ، قال تعالى: ) وإبراهيم الذي وفى ( وأخرج الحاكم من وجه آخر عن ابن عباس قال: سهام الإسلام ثلاثون سهماً لم يتمها أحد إلا إبراهيم ، ومحمد عليهما السلام ، فعرف بذلك أن الإسلام اسم لمجموع هذه السهام ، ولم تشرع كلها إلا في هذه الملة وملة إبراهيم ، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلّم في غير ما آية من القرآن باتباع ملة إبراهيم وهي الحنيفية .
المعنى الثالث: أن الإسلام مدار معناه على الانقياد والإذعان ولم تذعن أمة لنبيها كما أذعنت هذه الأمة فلذلك سموا مسلمين ، وكانت الأنبياء تذعن للرسل الذين يأتون بالشرئع كما تقدم في عبارة الراغب فسموا مسلمين ، وكانت الأمم كثيرة الاستعصاء على أنبيائهم كما دلت على ذلك الأحاديث والآثار ، منها حديث: ( إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ) وقد قال المقداد يوم بدر: لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى: ) اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ( ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون ، والله لو سرت بنا إلى برك الغماد لاتبعناك . وفي لفظ: لو خضت بنا البحر لخضناه معك . فلذلك اختصت هذه الأمة بأن سموا مسلمين من بين سائر الأمم . وكلما وقع في عبارة السلف من قولهم الإسلام دين الأنبياء ونحوه فمرادهم به دين الأنبياء وحدهم دون أممهم لما تقدم تقريره على حد قوله صلى الله عليه وسلّم:( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ) .
فصل: لما فرغت من تأليف هذه الكراسة واضطجعت على الفراش للنوم ورد علي قوله