الحجاج، فتلقاهم هادئ النفس مطمئن القلب، ثم التفت إلى أصحابه وقال: ما أراني إلا مقتولًا على يدي ذلك الظالم، ولقد كنت أنا وصاحبان لي في ليلة عبادة فاستشعرنا حلاوة الدعاء فدعونا الله بما دعونا وتضرعنا إليه بما شاء أن نتضرع، ثم سألنا الله جل وعز أن يكتب لنا الشهادة، وقد رزقها الله تعالى لصاحبيَّ كليهما وبقيت أنا انتظرها.
ثم إنه ما كاد ينتهي من كلامه حتى طلعت عليه بنت صغيرة له فرأته مقيدًا والجند يسوقونه فتشبثت به وجعلت تبكي وتنشج، فأبعدها برفق والعبرة في فؤاده رحمة بها لا جزعًا من الموت، وقال لها: يا بنية قولي لأمك إني أرجو الله أن يجمعنا في الجنة، وإن افترقنا في الدنيا فإن موعدنا الجنة إن شاء الله تعالى ... ثم مضى، واطلع الجند على عبادته وزهده وورعه وتقواه، فذهلوا لذلك وقالوا: كيف يقتل مثل هذا وما جنايته إلا الانتقام للنفس، ولعل بعض الجند قد عرض عليه التخلص فأبى مستسلمًا لأمر الله تعالى ومنقادًا له. ولعلمه ويقينه أنه لا يغني حذر من قدر.
فلما وصل سعيد إلى الحجاج وأدخلوه عليه نظر إليه في حقد وغيظ وقال: ما اسمك؟ قال: اسمي سعيد بن جبير. قال له: بل أنت شقي بن كسير. فقال: بل كانت أمي أعلم باسمي منك. فقال: ما تقول في محمد؟