فتناول منه لقمة، فقال له المملوك: ما لك كنت تسألني كل ليلة ولم تسألني الليلة؟ قال: حملني على ذلك الجوع، من أين جئت بهذا؟ قال: مررت بقوم في الجاهلية فرقيت لهم فوعدوني، فلما أن كان اليوم مررت بهم فإذا عرس لهم فأعطوني، فقال: أفّ لك، كدت تهلكني، فأدخل يده في حلقه فجعل يتقيَّأ وجعلت لا تخرج، فقيل له: إن هذه لا تخرج إلا بالماء، فدعا بعسًّ من ماء فجعل يشرب ويتقيأ فرمى بها، فقيل له: يرحمك الله، كل هذا من أجل هذه اللقمة؟! فقال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها [1] .
وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه أتي بزيت من الشام وكان الزيت في الجفان (يعني في القصاع) وعمر يقسمه بين الناس بالأقداح، وعنده ابن له شعرات، فكلما أفرعت جفنه مسح بقيتها برأسه، فقال له عمر - رضي الله عنه: أرى شعرك شديد الرغبة على زيت المسلمين، ثم أخذ بيده فانطلق إلى الحجَّام فحلق شعره وقال: هذا أهون عليك [2] .
قال حذيفة موصيًا الحريصين على آخرتهم، مَن
(1) صفة الصفوة 1/ 251.
(2) تنبيه الغافلين، ص 245.