فيما بين المرء والدنيا بألا يتكالب على جمع حطامها، وألا ينفق المال إلا فيما تجيزه الشرائع، وتقره العقول السليمة" [1] . ثم قال عز وجل ذلِكُمْ"
خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي من كل شيء في
الدنيا من نفس ومال وولد، إن كنتم من أهل الإدراك والعلم بوجوه المنافع وفهم المقاصد، فإن الأمور إنما تتفاضل بغاياتها ونتائجها. ولهذه التجارة فوائد عاجلة وأخرى آجلة، وقد فصل كلا الأمرين وقدم الثانية فقال: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} أي إن فعلتم ذلك فآمنتم
باللّه وصدقتم
-ستر لكم ذنوبكم ومحاها، أدخلكم فراديس جناته وأسكنكم مساكن تطيب لدى النفوس، وتقرّ بها العيون في دار الخلد الأبدى، وهذا منتهى
ما تسمو
إليه النفوس من الفوز الذي
لا فوز بعده. ثم ذكر الفوز العاجل في الدنيا فقال: (وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) أي ولكم على هذا فوز في الدنيا بنصركم على عدوكم، وفتحكم للبلاد، وتمكينكم منها حتى تدين لكم مشارق الأرض ومغاربها. وقد أنجز اللّه وعده، فرفعت الراية الإسلامية على
جميع المعمور من العالم في زمن وجيز لم يعهد التاريخ نظيره، وامتلكوا بلاد القياصرة والأباطرة، وساسوا العالم سياسة شهد لهم بفضلها العدو قبل الصديق. ثم أمرهم اللّه في كل حين، فلا يتخاذلوا ولا يتواكلوا، فيكتب لهم النصر على أعدائهم كما فعل حواريو عيسى فقال: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ؟ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ} أي يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار اللّه، فارفعوا شأن دينه، وأعلوا كلمته، كما فعل الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم: من أنصارى
إلى اللّه
؟ قالوا له: نحن أنصار اللّه وأنصار دينه [2] .
(1) - أنظر"تفسير المراغي، ج 28، ص: 91"
(2) - أنظر"تفسير المراغي، ج 28، ص:92"