بأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والمكي والمدني، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) } (ص: 29) و قال تعالى {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) } (النساء: 28)
من هنا يرى الباحث أن يعيش مع كتاب الله، يفسر آياته، ويبين دلالاته. فكتاب الله العظيم فيه من الآيات الباهرة والعجائب الظاهرة ما يجعله محط الإعجاب ليأخذ بعقول أولي الألباب فيحرك الهمم وينشط العزائم لما حوى من جمال التعبير ومتانة الأسلوب ولما فيه من الإخبار عن الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله ذو الجلال والإكرام. وقد قرر الباحث أن يعيش في ظلاله وأن يبحث في مكنونه ويغوص في أسراره وكنوزه واختار من ذلك تفسيرا تحليليا موضوعيا ومن سوره سورة الصف.
ومن بين الأسباب في اختيار هذه السورة هو ما حوته من دلالات ومعاني وأسرار جد قوية، فالسورة على قصر آياتها وسرعة إيقاعاتها وقلة عدد آياتها قد اشتملت العديد من المقاصد. والسورة الكريمة تستهدف أمرين أساسين واضحين في سياقها كل الوضوح، إلى جانب الإشارات والتلميحات الفرعية التي يمكن إرجاعها إلى هذين الفرعين الأساسيين.
تستهدف أولًا أن تقرر في ضمير المسلم أن دينه هو المنهج الإلهي للبشرية في صورته الأخيرة، سبقته صور منه تناسب أطوار معينة في تاريخ البشرية، وسبقته تجارب في حياة الرسل وحياة الجماعات، تمهد كلها لهذه الصورة الأخيرة من الدين الواحد، الذي أراد الله أن يكون خاتم الرسالات. وأن يظهره على الدين كله في الأرض [1] .
وهذا الهدف الواضح في السورة يقوم عليه الهدف الثاني. فإن شعور المسلم بهذه الحقيقة، وإدراكه لقصة العقيدة، ولنصيبه هو أمانتها في الأرض ... يستتبع شعوره بتكاليف هذه
(1) - أنظر"في ضلال القرآن"لسيد قطب.