فهرس الكتاب
وكذا إن قلت: ما زهير إلا شاعر، لا يعني أنك تنفي عن زهير كل صفة غير الشعر، وإنما يعني أنك تنفي عنه كل ما هو بسبيل من صفة الشعر، كالخطابة والكتابة، وكل ما هو في نطاق القول والإبداع مما يحدده السياق وتشير إليه القرائن، أما القصر الحقيقي الادعائي فهو أن يختص المقصور بالمقصور عليه بحيث لا يتعداه إلى غيره ادعاء ومبالغة، فالمقصور يختص بالمقصور عليه وينفي عن كل ما عداه مما هو بسبيل منه نفيًا يقوم على المبالغة والتجوّز، ولا يقوم على المطابقة الحقيقية للواقع كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: 28) ، فقد قُصرت خشية الله على العلماء، ونُفيت عن كل من عداهم، ولا يعني هذا أن غير العالم لا يخشى الله تعالى، بل قد يكون غير العالم أشد خشية لله من العالم، ولكن سياق الآيات في التنويه بشأن العلماء وتعظيم منزلتهم والحث على النظر والتأمل.
{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ... (60) }
فلفظ: {جَرَحْتُمْ} في الآية الكريمة له معنيان؛ قريب ظاهر غير مراد، وهو إحداث تمزق في الجسد، والثاني: بعيد خفي المراد، وهو ارتكاب الذنوب واقتراف المعاصي. ومن ذلك قول أبي العلاء المعري:
وحرف كنون تحت راء ولم يكن ... بدال يؤم الرسم غيره النقط
فألفاظ هذا البيت مبنية على التورية، إذ معناه: أن هذه الناقة لضعفها وهزالها قد انحنت وتقوست، وصارت شبيهةً بحرف النون في تقوسها، تحت رجل يضرب رئتيها ولا يَرفق بها في السير فهو غير دال، يؤم بها دارًا غيَّر المطر رسمها، فالمعنى القريب الظاهر غير المراد للحرف أحد حروف الهجاء، وللراء والدال الحرفان المعروفان، وللرسم رسم الأحرف وكتابتها، وللنقط تنقيط الأحرف، والمعنى البعيد لهذه الألفاظ الحرف النقط، والراء: اسم فاعل من رأى أي: ضرب الرئة، والدال اسم فاعل من دَلَى يدلو: إذا رفَق في المسير، والرسم: أثر الديار، والنقط: المطر. وتلك المعاني البعيدة هي المرادة، وقد ورَّى عنها الشاعر بالمعاني القريبة، فبدت في صورة حسنة لطيفة كما يبدو وجه الحسناء من وراء البُرقُع.