كَانَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَجَّبُ مِنْ كُفْرِ قَوْمِهِ بِهِ وَبِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَعَ وُضُوحِ بُرْهَانِهِ وَظُهُورِ إِعْجَازِهِ ، وَكَانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ لِذَلِكَ وَيَنَالُ مِنْهُ الْحُزْنُ وَالْأَسَفُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ هُودٍ: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ) (11: 12) وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَكَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يُبَيِّنُ لَهُ أَسْبَابَ ذَلِكَ وَمَنَاشِئَهُ مِنْ طِبَاعِ الْبَشَرِ وَأَخْلَاقِهِمْ وَاخْتِلَافِ اسْتِعْدَادِهِمْ ، لِيَعْلَمَ أَنَّ الْحُجَّةَ مَهْمَا تَكُنْ نَاهِضَةً ، وَالشُّبْهَةَ مَهْمَا تَكُنْ دَاحِضَةً ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِمَا قُدِّمَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ ، وَانْحَسَرَتْ عَنْهُ غُمَّةُ الشُّبْهَةِ ، إِلَّا فِي حَقِّ مَنْ كَانَ مُسْتَعِدًّا لَهُ ، وَزَالَتْ مَوَانِعُ الْكِبْرِ وَالْعِنَادِ أَوِ التَّقْلِيدِ عَنْهُ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) جَاءَ بَعْدَ تِلْكَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الْوَارِدَةِ بِأُسْلُوبِ الْحِكَايَةِ وَضَمَائِرِ الْغَيْبَةِ مُبَيِّنًا هَذَا الْمَعْنَى لِلرَّسُولِ بِأُسْلُوبِ الِالْتِفَاتِ إِلَى خِطَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ عِلَّةَ تَكْذِيبِهِمْ بِالْحَقِّ إِنَّمَا هِيَ إِعْرَاضُهُمْ عَنِ الْآيَاتِ ، وَمَا أَقْفَلُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَابِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ ، لَا خَفَاءُ الْآيَاتِ فِي نَفْسِهَا ، وَلَا قُوَّةُ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تَحُولُ