عنه، ربما أهلكهم هلاكًا واحدًا بجمع آجالهم بذلك كموت نفس واحدة، فكل
موجود له أجلان إن أخطأه الأول بقدر مقدور، ثم يغلب الأجل المسمى.
ثم قال عزَّ من قائل: (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) أي: في البعث بعد الموت
هلا تعرفتم بما ينجيكم من الموت في كل طرفة وكل نفس وأدنى من ذلك،
ويحييكم بذلك مكان الإماتة أنه يحييكم بعد موتكم، وكما [تنصرم] الآجال دون
الأجل المسمى، كذلك [ينصرم] أجل عمر الدنيا، كذلك [ينصرم] أمد الموت بالبعث
منه.
(فصل)
إذا تمهد ما ذكرناه، فالأجل المسمى لكل محدث واحد ينتهي إليه مع السلامة
من العوارض دونه، وما دونه بآجال كثيرة، وعلى التحقيق فعلى عدد الأنفاس وأدق
من ذلك.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن"
يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه"."
وعلى كل موجود محدث، حافظ بحفظه من العوارض التي قضيت الآجال
بحدوثها حتى يأتي أجله المقدور بسببه، وعارضه المحتوم عليه حلول الأجل فيه،
فتتخلى الحفظة عنه؛ لأنه قد قضي الأجل بذلك الأجل أيضًا بما هو عليه، وهو
مسمى قد سمى له لم يكن له أن يتقدمه، ولا أن يتأخر عنه، ولكن له حكم يبقى
وتباعة ترجى وتبقى، كالذي يقتل مظلومًا، فعلى قاتله القصاص، وللمظلوم بذلك
عاقبة يرجوها عند الحكم العدل جلَّ ذكره.
وكالذي يقتل في سبيل الله، فبدله ربه حياة لأجل حياته التي باعها، فيرزقه
عيشًا عنده وحظوة ورزقًا جزاءً لعيشه ورزقه وما نزله له، ولو لم يكن محتومًا بسبب
قاطع به عن أجله المسمى به الذي قطع به دونه، ومات عنه لم يكن له هنالك
عوض؛ إذ أنه إنما مات بأجله المسمى الذي لا أجل له سواه.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ)
أي: إنه ولو نفعكم الفرار من القتل الذي يكون عن أجلكم الأدنى،
فإنكم لا تمتعون إلى الأجل المسمى إلا قليلاً.
أعقب هذا كله بقوله الحق: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ