فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي
مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6)
فأنبأ صريحا بآجاله المخترمة وأرزاقه المنقطعة بأتباع ذلك ولواحقه، فعلى هذا انبنى
التدبير الحق حتى إن الدنيا لتعود آخرة في حق أقوام، لأجل عبرة بها وعمل لها،
والآخرة تعود دنيا جزاء وإثابة في حق آخرين، لغفلة مستولية ولحكمة بالغة وأمر
عزم.
قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ
مَا تَكْسِبُونَ (3) . أصفق الإجماع أن المكان محصور محاط، والمحيط به
وحاصره هو الله خالقه، وإن الممكن ضعف عن حقيقة القدرة، ونقص عن حقيقة
الكمال، وكذلك القول في الزمان وما يتبع ذلك، وكذلك المواجهة والمحاذاة
والتلقاء، والفوق والتحت والقبل والبعد، وإن الله لا يحجبه شيء عن شيء ، ولا
يبعد عليه شيء ، بل هو قريب من كل شيء بوصفه.
وهو القدرة والدرك، والأشياء مبعدة بأوصافها، وهو البعد والحجبة، والبعد
والإبعاد والحجب حكم مشيئته، والحدود والأقطار حجب بريته، والمسافة والتلقاء
مكان لسواه، والنواحي والجهات مكان المحدثات، والنهار والليل مسكن
المتصرفات، والبعد والفضاء مكان المخلوقين، والتوسعة والهواء مكان العالمين،
والأحكام والأقدار واقعة على خلقه، والحجب والأستار متصلة بمخلوقه.
وإلى هذا(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا
تَكْسِبُونَ) (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) غير متصل بخلق ولا
مفارق، وغير مماس للكون ولا مباعد، بل منفرد بنفسه متحد بوصفه سبحانه وله
الحمد، كما أن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فكذلك ليس كوجوده وجود، وليس كشأنه شأن،
كان في أزل أزله بأسمائه ووصفه وصفاته، وهو الآن على ما لم يزل عليه وخلق كل
شيء ، فقدره تقديرًا.
وكل وصف لموصوف في الحدث فهو مشير إليه، وآية على وصف له هو في