فهرس الكتاب
جاء القرآن ليتحداهم في مجال نبوغهم ، ولكنّ بعضاً من العرب طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعجزة حسية كونية يرونها . وأعماهم الحمق عن معرفة أن المعرفة الحسية موقوتة التأثير ، من يراها يقول إنها معجزة ، ومن لم يرها قد يصدق وقد يكذب . ونحن - المسلمين - لا نصدق المعجزات الحسية إلا أن القرآن أوردها ؛ ولأن القرآن قد جاء للناس كافة ؛ لذلك لم يكن من المعقول أن يكون المنهج الخاتم منفصلاً عن معجزة النبي الذي جاء به .
جاء القرآن - إذن - معجزة لرسول الله وهو آية معنوية دائمة أبداً بما فيه من أحكام ونظم ، وآيات كونية وقضايا علمية ، وإذا كان الخلق يختلفون في اللغات فما تضمنه القرآن من معجزات لن تنقضي عجائبه إلى يوم القيامة . وكل يوم نستنبط من آيات الله معجزات جديدة تُخرس كل مكذب ، لأنها معجزات كونية ، ومن العجيب أن بعض الذين يستنبطونها ليسوا من المسلمين ، ولا هم من المؤمنين بالقرآن .
ولكنّ بعضاً من المشركين لم يكتف بالقرآن على أنه آية ومعجزة دالة على صدق الرسول ، وطالبوا بمعجزة حسية . فهل كان ذلك الطلب للآية حقيقيا يرجون من ورائه معرفة الحق والإيمان له أو كان مجرد سبب يختفون وراءه حتى لا يؤمنوا؟ إن كان طلب الآية هو أمرًا نابعًا من قلوبهم فإننا نأخذ بأيديهم ونرشدهم ونهديهم ونقول لهم: إن الرسل التي جاءت بمعجزات غير كتاب المنهج كانوا رسلاً إلى أمم مخصوصة وفي زمان محدود ، فجاءت معهم آيات كونية تُرَى مرة واحدة وتنتهي ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء لعموم الزمان ، ولعموم المكان ، ولذلك لا تصلح أن تكون آيته ومعجزته حسية ؛ حتى لا تنحصر في الزمان والمكان المحددين ، وشاء الحق أن تكون معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي المنهج الدائم .