الخامس - ما ذكرناه في معنى مماثلة الأمم لنا ، من تدبيره تعالى لأمورها ، وتكفله برزقها ، وعدم إغفال شيء منها مما يبين شمول القدرة ، وسعة العلم - هو الأظهر . موافقة لقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْ} [هود: 6] الآية - والقرآن يفسر بعضه بعضاً . ونقل الواحديّ عن ابن عباس أن المماثَلة هي في معرفته تعالى ، وتوحيده وتسبيحه وتحميده . كقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] ، وقوله: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: 41] .
وعن أبي الدرداء قال: أبهمت عقول البهائم عن كل شيء إلا عن أربعة أشياء: معرفة الإله ، وطلب الرزق ، ومعرفة الذكر والأنثى ، وتهيؤ كل واحد منهم لصاحبه .
وقيل: المماثلة في أنها تحشر يوم القيامة كالناس .
أقول: لا شك في صحة الوجهين بذاتهما ، وصدق المثلية فيهما ، ولكن الحمل عليهما يُبعده عدم ملاقاته للآية الأخرى . فالأمسّ ، تأييداً للنظائر ، ما ذكرناه أولاً - والله أعلم - .
السادس - ما بيناه في معنى (الكتاب) من أنه اللوح المحفوظ في العرش ، وعالم السماوات المشتمل على جميع أحوال المخلوقات على التفصيل التام - هو الأظهر ، لملاقاته للآية التي ذكرناها تأييداً للنظائر القرآنية . ولم يذكر الإمام ابن كثير سواه ، على توسعه .
وقيل: المراد منه القرآن كقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] . قال الحفاجيّ: قيل: حمله على القرآن لا يلائم ما قبله وما بعده . ويدفع بأن المعنى لم نترك شيئاً من الحجج وغيرها إلا ذكرناه ، فكيف يحتاج إلى آية أخرى مما اقترحوه ، ويكذب بآياتنا ؟ فالكلام بعضه آخذ بحجز بعض بلا شبهة .