وقوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) جملة معترضة ، وظاهرها أن المفرط فيه هو الكتاب ، لفظ (من شيء) بيان للفرط الذي يقع التفريط به ، والمعنى لا يوجد شيء تجب رعاية حاله والقيام بواجب حقه وبيان نعته في الكتاب إلا وقد فعل من غير تفريط ، فالكتاب تام كامل .
والمراد بالكتاب إن كان هو اللوح المحفوظ الذي يسميه الله سبحانه في موارد من كلامه كتابا مكتوبا فيه كل شيء مما كان وما يكون وما هو كائن ، كان المعنى أن هذه النظامات الأممية المماثلة لنظام الإنسانية كان من الواجب في عناية الله سبحانه أن يبنى عليها خلقه الأنواع الحيوانية فلا يعود خلقها عبثا ولا يذهب وجودها سدى ، ولا تكون هذه الأنواع بمقدار ما لها من لياقة القبول ممنوعة من موهبة الكمال .
فالآية على هذا تفيد بنحو الخصوص ما يفيده بنحو العموم ، قوله تعالى: (وما كان عطاء ربك محظورا) (الاسراء: 20) ، وقوله: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربى على صراط مستقيم) (هود: 56) .
وإن كان هو القرآن الكريم وقد سما الله كتابا في مواضع من كلامه ، كان المعنى أن القرآن المجيد لما كان كتاب هداية يهدى إلى صراط مستقيم على أساس بيان حقائق المعارف التي لا غنى عن بيانها في الارشاد إلى صريح الحق ومحض الحقيقة لم يفرط فيه في بيان كل ما يتوقف على معرفته سعاده الناس في دنياهم وآخرتهم كما قال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) (النحل: 89) .