فهرس الكتاب
ومنهم من يعتقد أنّ التشابه كائن في تشابه الإِدراك والفهم والمشاعر، أي أنّ للحيوان والطير أيضاً - إِدراكه ومشاعره في عالمه الخاص، ويعرف الله ويسبح له ويقدسه بحسب طاقته، وإن تكن قوّة إِداركه أدنى ممّا في الإِنسان، ثمّ إِنّ ذيل هذه الآية - كما سيأتي بيانه - يؤيد هذا الرأي الأخير.
ثمّ تقول الآية: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) .
لعل المقصود بالكتاب هو القرآن الذي يضم كل شيء (ممّا يتعلق بتربية الإِنسان وهدايته وتكامله) يبيّنه مرّة بياناً عاماً، كالحث على طلب العلم مطلقاً، ومرّة بياناً تفصيلياً كالكثير من الأحكام الإِسلامية والقضايا الأخلاقية.
ثمّة إِحتمال آخر يقول: إِنّ المقصود بالكتاب هو"عالم الوجود"إِذ أنّ عالم الخليقة مثل الكتاب الضخم، يضم كلّ شيء ولا ينسى شيئاً.
ليس ثمّة ما يمنع من أن تشمل الآية كلا التّفسيرين، فالقرآن لم يترك شيئاً تربوياً إِلاّ وذكره بين دفتيه، كما أنّ عالم الخليقة يخلو من كل نقص وعوز.
وتختم الآية بالقول: (ثمّ إِلى ربّهم يحشرون) .
يظهر أنّ ضمير (هم) يعود إِلى الدواب والطير على اختلاف أنواعها وأصنافها، أي أنّ لها - أيضاً - بعثاً ونشوراً، وثواباً وعقاباً، وهذا ما يقول به معظم المفسّرين، إِلاّ أنّ بعض المفسّرين ينكرون هذا، ويفسّرون هذه الآية والآيات المشابهة تفسيراً آخر، كقولهم: إِنّ معنى"الحشر إِلى الله"هو الموت والرجوع إِلى نهاية الحياة (1) .
ظاهرالآية يشير - كما قلنا - إِلى البعث والحشر يوم القيامة.
من هنا تنذر الآية المشركين وتقول لهم: إِنّ الله الذي خلق جميع الحيوانات ووفر لها ما تحتاجه، ورعى كل أفعالها، وجعل لها حشراً ونشوراً، قد أوجد لكم دون شك بعثاً وقيامة، وليس الأمر كما تقول تلك الفئة من المشركين من أنّه ليس ثمّة شيء سوى الحياة الدنيا والممات.
1 -نقل هذا الاحتمال صاحب المنار عن ابن عباس.