وقد جاء ذلك النص السامي في هذا الموضع الذي يذكر فيه إباحة الذبائح التي ذكر فيها اسم الله للإشارة إلى أن الأساس في الذبائح وغيرها، هو ترك الآثام، فذكر اسم غير الله إثم ظاهر وهو شرك واجب تركه، وإن بجوار ترك الإثم الظاهر إثم باطن، وهو ما يتعلق بالنفس من حقد وحسد، ورغبة في الشر، والدس، والنميمة، والغيبة، والهم بالشر، بحيث لَا يكون التخلف عنه بقدرته، بل يكون بأمر خارج عن إرادته، والشرور قسمان: شرور ظاهرة كالقتل والزنى والقذف وشرب الخمر والسرقة، وقطع الطريق، والمجاهرة بالمعاصي، وشر خفي وهو أن تركس النفس في الآثام، فلا يكون في النفس، إلا عزم على الشر، أو إخفاء الضغن على الناس، وألا ينوي الخير، وأن يفعل الأمر الحسن مُرِائيا، وأن يزكي ويصلي مُرائيا، وذلك هو الشرك الخفي، كما قال - صلى الله عليه وسلم:"من تصدق يرائي فقد أشرك".
وقد حرَّم الله الإثم الظاهر والخفي، في هذه الآية، فقال تعالى: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَه. . .) أي اتركوا الإثم في ظاهره وباطنه، وعبر عن الإثم الخفي بباطنه؛ لأنه مستور في باطن النفس غير معلوم، والإثم واحد في الحالين، ظهر أو بطن، ولقد قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرِّم رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْي بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) . وفى هذه الآية سمي الإثم فواحش؛ لأنه زيادة عن الفطرة زيادة فاحشة، فما من معصية إلا كان فيها خروج فاحش على الفطرة.