فهرس الكتاب
ولقد كان من المفسرين أو أكثرهم من أخرجوا كل بيان للقرآن على أنه من خوارق العادة، فزعموا أن العجل كان جسدا حيا، وسرت إليه الحياة من أن السامري الذي صنعه، أخذ قبضة من أثر فرس جبريل، ووضعها في صناعته، فجعلته حيًّا له خوار، وزعموا أن ذلك يؤخذ من قول السامري الذي حكاه القرآن عنه إذ قال: (. . . فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ(95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) ، فزعموا أن قول السامري فقبضت قبضة من أثر الرسول: أي جبريل. فبض السامري قبضة من أثر فرسه فوضعها في صناعته.
وهذا تأويل بعيد عن الحقيقة، وعن مدلول الألفاظ.
أولا - لأن الرسول،"أل"فيه للعهد، ولا بد من رسول مذكور في السياق أو معهود حاضر في الذهن وهو موسى، وأثره هو شرعه، ونبذه إهماله وتركه، وهو التوحيد.
ثانيا - أنه اعتبر ذلك مما سولت به نفسه الشيطانية.
ثالثا - أن جبريل ما كان طريق خطاب الله لموسى، إذ قال: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. . .) ، فكان كلام الله تعالى لموسى من وراء حجاب كما قال تعالى: (. . . وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) ، وإن قوله تعالى عن السامري أنه قال: (. . . بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ. . .) ، أي في صناعة الحلي التي لم يكن غيره ذا بصر بها. وأخيرا إنه لَا حاجة إلى هذا التكلف والإغراب والتقدير.
وتخريج الآية على ما بينا ابتداء هو المعقول الذي لَا يحتاج إلى تأويل به، ولا إلى تقدير كلام مطوي بلا دليل.
وخلاصته أن السامري اتخذ من الحلي شكل عجل، وبمهارة الصناعة وتمكين الرياح من أن تدخل منافذ فيه كان له صوت يشبه صوت البقر وهو الخوار، فعبدوه، وقبض قبضة من أثر موسى وهو التوحيد فنبذه وأهمله.
أدركوا أنهم ضلوا، ولقد حكى الله ذلك فقال:
(وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(149)