.. خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ واذكروا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأعراف: 171]
و"خذوا"فعل أمر ، والأمر يقتضي آمرا ، ولابد له من شيء يأمر به . وكلمة"القوة"هذه هي الطاقة الفاعلة ، والأصل في الكون كله أن نقبل على كل شيء بقوة ؛ لأن الكون الذي تراه مسخراً ليس له رأي في أن يفعل أو لا يفعل ، بل هو فاعل دائما إذا أمُر ، وكما قلنا من قبل: لم تغضب الشمس على الناس وقالت: لن أطلع هذا اليوم ، وكذلك لم يمتنع الهواء ، وأيضاً لا يرفض الحمار مثلاً أن يحمل الروث ، أو أن ينظفه صاحبه ويأتي له ب"البرذعة"ليجعله ركوبة متميزة ، الحمار إذن لا يعصي هنا ولا يعصي هناك ، والكون كله مسخر بقوانين مادية ثابتة . {لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40]
وقد وضع الحق هذا النظام للكون نظراً لأنه مقهور وليس له تكليف ، والمحكوم بالغريزة الكونية صالح للحياة عن المحكوم بالاختيار الفعلي ، ومع هذا الاختيار فالإنسان له أشياء تفعل فعلها فيه ولا يَدْرِي عنها شيئاً مع أن بها قوام حياته ، فلا أحد يمسك قلبه ويضبطه ويقول له: دق ، والرئة كذلك وحركة التنفس ، والحركة الدودية في الأمعاء ، والحالب ، ويرغب الإنسان في دخول دورة المياه عندما تمتلئ المثانة بالبول ، كل هذه مسائل رتيبة لا اختيار للإنسان فيها أبدا ، والأمور المحكومة بالغرائز ليس لنا فيها اختيار ، كأن يأكل الإنسان ويتكلم في أثناء تناول الطعام فتنزل حبة أرز في القصبة الهوائية فيحاول الإنسان أن يطردها بالسعال ، هذا اسمه"غريزة"أي أمر غير محكوم بالفعل الاختياري .