فهرس الكتاب
{وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21] ، فسكر القلب واشتد شوقه وعرف أن هذا كلام حق وصدق يريد به باطل، وإن لم تشعر نفسه بهذه الحقيقة، {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} [الاعراف: 22] ؛ أي: فغرهما بالله وشكرهما بذكره وشوقهما إليه، فلمَّا استغرق آدم في بحر الشوق تاق إلى الذوق فنسي النهي وتناول الشجرة، {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ} [الأعراف: 22] فلمَّا ذاقا المحبة وجد ذوقها، {بَدَتْ لَهُمَا سَوْ آتُهُمَا} [الأعراف: 22] ؛ أي: بدت لهما نار المحبة قبل نورها، وهي التي تبدي سوآتهما للمحنة الفرقة بين الأحبة في البداية، وتظهر كمالات القرية والوصلة في النهاية، وهي ما روي عنهما، فأخرجت منهما التاج والإكليل والحلة وكل حلي وزينة دنيوية وأخروية، وأخرجا من الجنة ونادى كل شجر وورق وثمر على آدم بلسان الملامة {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121] .
{وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 22] ؛ أي: لاشتمال فائدة المحبة كانا يجعلان كل نعيم الجنة على ناديهما، فكما التهبت احترقت بلظى نار حبة الوصلة بينهما، ونعق غراب البين بالفرقة بينهما، فراحت الراحة وأبدل الروح بالنوح، فقال:
فبينما نحن في لهو وفي طرب ... بدا سحاب فراق صوبه هطل
وإن من كنت مشغوفاً بطلعته ... مضى وأقعر منه الرسم والطلل
فالصبر مرتحم والوجد متصل ... والدمع منهم والقلب مشتغل
{وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ} [الأعراف: 22] نداء الكبرياء والعزة، {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ} [الأعراف: 22] ، فإنه تذل العزيز وتزيل النعيم وتذهب بالطرب وتأتي بالتعب {وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ} [الأعراف: 22] ؛ أي: هو مبين بالعداوة لكما صداقة مخفية تظره ولو بعد حين، فلما نادهما بالعتاب حل بهما من سطوة الخطاب ما حل: