والمراد بهذا الركب: أبو سفيان ومن معه من رجال قريش الذين كانوا قادمين بتجارتهم من بلاد الشام ومتجهين بها إلى مكة، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أمرها، أشار على أصحابه بالخروج لملاقاته، كما سبق أن بينا عند تفسيرنا لقوله - تعالى - كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ...
والمعنى: اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن خرجتم إلى بدر، فسرتم إلى أن كنتم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا أي: بجانب الوادي وحافته الأقرب إلى المدينة، وكان أعداؤكم الذين قدموا لنجدة العير بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى أي: بالجانب الآخر الأبعد من المدينة، وكان أبو سفيان ومن معه من حراس العير أَسْفَلَ مِنْكُمْ أي: في مكان أسفل من المكان الذي أنتم فيه، بالقرب من ساحل البحر الأحمر، على بعد ثلاثة أميال منكم.
قال الجمل: قوله وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ الأحسن في هذه الواو، والواو التي قبلها الداخلة على هُمْ أن تكون عاطفة ما بعدها على أَنْتُمْ لأنها مبدأ تقسيم أحوالهم وأحوال عدوهم ويجوز أن يكونا واو حال، وأسفل منصوب على الظرف النائب عن الخبر، وهو في الحقيقة صفة لظرف مكان محذوف. أي: والركب في مكان أسفل من مكانكم وكان الركب على ثلاثة أميال من بدر .. ».
وقال الإمام الزمخشري - رحمه الله - فإن قلت: ما فائدة هذا التوقيت، وذكر مراكز الفريقين، وأن العير كانت أسفل منهم؟.
قلت: الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة الشأن للعدو، وتكامل عدته، وتمهد أسباب الغلبة له، وضعف شأن المسلمين، والتياث أمرهم، وأن غلبتهم في هذه الحال ليس إلا صنعا من الله - سبحانه - ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته.
وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون، كان فيها الماء، وكانت أرضا لا بأس بها. ولا ماء بالعدوة الدنيا، وهي خبار - أي أرض لينة رخوة - تسوخ فيها الأرجل، ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشقة.
وكانت العير وراء ظهور العدو، مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم، وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم، ليبعثهم الذب عن الحريم على بذل جهودهم في القتال.