وقيل: إنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي: إني رأيت كأني في بستان فإذا بأصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فقطفتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته ، وقال الخباز: إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة ، فإذا سباع الطير تنهش منها.
{قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} أي لبيان ماهيته وكيفيته لأن ذلك يشبه تفسير المشكل {قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا} ولما استعبراه ووصفاه بالإحسان افترض ذلك فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء وهو الإخبار بالغيب ، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما ويقول: يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت فيكون كذلك وجعل ذلك تخلصاً إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويزينه لهما ويقبح إليهما الشرك.
وفيه أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم فوصف نفسه بما هو بصدده ، وغرضه أن يقتبس منه ، لم يكن من باب التزكية {ذلكما} إشارة لهما إلى التأويل أي ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات {مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى} وأوحى به إلي ولم أقله عن تكهن وتنجم {إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله وَهُمْ بالآخرة هُمْ كافرون} يجوز أن يكون كلاماً مبتدأ وأن يكون تعليلاً لما قبله أي علمني ذلك وأوحى به إلي لأني رفضت ملة أولئك وهم أهل مصر ومن كان الفتيان على دينهم {واتبعت مِلَّةَ ءابَاءي إبراهيم وإسحاق وَيَعْقُوبَ} وهي الملة الحنيفية.
وتكرير"هم"للتوكيد وذكر الآباء ليريهما أنه من بيت النبوة بعد أن عرفهما أنه نبي يوحى إليه بما ذكر من إخباره بالغيوب ليقوي رغبتهما في اتباع قوله ، والمراد به ترك الابتداء لا أنه كان فيه ثم تركه {مَا كَانَ لَنَا} ما صح لنا معشر الأنبياء {أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَيْء} أي شيء كان صنماً أو غيره.