شيوع دينه وقوة تأثيره في الناس وتكميله - وقد حقق ذلك المجدد للالف الثاني رضى الله عنه في مكاتيبه - وهذا أمر لا يدركه فهم أكثر أهل الكمال فضلا عن غيرهم إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) حين قلن لي أطع مولاتك أو أردن مراودتى عن نفسي لأنفسهن - فيه تعظيم لكيدهن واستشهاد بعلم الله تعالى عليه - وعلى انه برئ مما اتهمنه ووعيد لهن في كيدهن - فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته فدعا الملك النسوة وامراة العزيز.
قالَ لهن ما خَطْبُكُنَّ ما شأنكن والخطب أمر يحق ان يخاطب به صاحبه - اما خاطبهن جميعا لأنهن راودنه جميعا عن نفسه لهن - أو لأنهن قلن أطع مولاتك - واما خاطبهن والمراد أمراة العزيز فحسب إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ هل وجدتن منه ميلا إلى إحداكن قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ مر اختلاف القراء فيه فيما سبق - أي تنزيه له تعالى وتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله ما عَلِمْنا عَلَيْهِ أي على يوسف مِنْ سُوءٍ من ذنب وخيانة - قيل ان النسوة اقبلن على أمراة العزيز فعزرنها - وقيل خافت أمراة العزيز ان يشهدن عليها فاقرت على نفسها وقالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أي ظهر وتبين من حصحص شعره إذا استأصله بحيث يظهر بشرة رأسه - أو ثبت واستقر من حصحص البعير إذا القى مباركه ليناخ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) في قوله هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي - فلما سمع يوسف ذلك قال.
ذلِكَ الّذي فعلت من رد الرسول إلى الملك كان لِيَعْلَمَ العزيز أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ في زوجته بِالْغَيْبِ أي بظهر الغيب وهو حال من الفاعل أو المفعول - أي لم اخنه وانا غائب عنه أو هو غائب عنى - أو ظرف أي بمكان الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (52) أي لا ينفذه ولا يسدده بل يظهر الحق ولو بعد حين - أو لا يهدى الخائنين بكيدهم - فاوقع الفعل على الكيد مبالغة - وفى هذا القول تعريض بزليخا في خيانتها زوجها وتأكيد لامانته - ولذلك عقبه بقوله -.