عُذْرًا لَهُ فِي تَقْصِيرٍ يُضْمِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ غَيْرَهُ. فَإِنَّ إعْذَارَ النَّفْسِ يُغْرِيهَا وَيُحَسِّنُ لَهَا مَسَاوِئَهَا.
فَإِنَّ مَنْ قَالَ مَا لَا يَفْعَلُ فَقَدْ مَكَرَ، وَمَنْ أَمَرَ بِمَا لَا يَأْتَمِرُ فَقَدْ خَدَعَ، وَمَنْ أَسَرَّ غَيْرَ مَا يُظْهِرُ فَقَدْ نَافَقَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ وَصَاحِبَاهُمَا فِي النَّارِ» .
عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ بِمَا لَا يَأْتَمِرُ مُطْرَحٌ، وَإِنْكَارَهُ مَا لَا يُنْكِرُهُ مِنْ نَفْسِهِ مُسْتَقْبَحٌ.
بَلْ رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِغْرَاءِ الْمَأْمُورِ بِتَرْكِ مَا أُمِرَ بِهِ عِنَادًا، وَارْتِكَابِ مَا نَهَى عَنْهُ كِيَادًا.
وَحُكِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةِ طَلَاقٍ فَأَفْتَاهُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: انْظُرْ حَسَنًا. قَالَ: نَظَرْتُ وَقَدْ بَانَتْ فَوَلَّى الْأَعْرَابِيُّ وَهُوَ يَقُولُ:
أَتَيْت ابْنَ ذِئْبٍ أَبْتَغِي الْفِقْهَ عِنْدَهُ ... فَطَلَّقَ حَتَّى الْبَتِّ تَبَّتْ أَنَامِلُهُ
أُطَلِّقُ فِي فَتْوَى ابْنِ ذِئْبٍ حَلِيلَتِي ... وَعِنْدَ ابْنِ ذِئْبٍ أَهْلُهُ وَحَلَائِلُهْ
فَظَنَّ بِجَهْلِهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ بِقَوْلِ مَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ الطَّلَاقَ. فَمَا ظَنُّك بِقَوْلٍ يَجِبُ فِيهِ اشْتِرَاكُ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ كَيْفَ يَكُونُ مَقْبُولًا مِنْهُ وَهُوَ غَيْرُ عَامِلٍ بِهِ وَلَا قَابِلٍ لَهُ كَلًّا.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ:
وَعَامِلٌ بِالْفُجُورِ يَأْمُرُ ... بِالْبِرِّ كَهَادٍ يَخُوضُ فِي الظُّلَمِ
أَوْ كَطَبِيبٍ قَدْ شَفَّهُ سَقَمٌ ... وَهُوَ يُدَاوِي مِنْ ذَلِكَ السَّقَمِ
يَا وَاعِظَ النَّاسِ غَيْرَ مُتَّعِظٍ ... ثَوْبَك طَهِّرْ أَوَّلًا فَلَا تَلُمْ
وَقَالَ آخَرُ:
عَوِّدْ لِسَانَك قِلَّةَ اللَّفْظِ ... وَاحْفَظْ كَلَامَك أَيَّمَا حِفْظِ
إيَّاكَ أَنْ تَعِظَ الرِّجَالَ وَقَدْ ... أَصْبَحْتَ مُحْتَاجًا إلَى الْوَعْظِ