أما في خَلْق النار ، فالأمر مختلف ، حيث يقول تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ النار التي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ المنشئون} [الواقعة: 71 - 72]
فذكر سبحانه قدرته في خَلْق النار وإشعالها ولم يذكر ما ينقضها ، ولم يقُلْ: نحن قادرون على إطفائها ، كما ذكر سبحانه خَلْق الإنسان وقدرته على نقضه بالموت ، وخَلْق الزرع وقدرته على جعله حطاماً ، وخَلْق الماء وقدرته على جعله أجاجاً ، إلا في النار ، لأنه سبحانه وتعالى يريدها مشتعلة مضطرمة باستمرار لتظل ذكرى للناس ، لذلك ذيِّل الآية بقوله تعالى: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} [الواقعة: 73]
كما نقف في هذه الآيات على ملمح من ملامح الإعجاز ودِقَّة الأداء القرآني ؛ لأن المتكلم ربٌّ يتحدث عن كل شيء بما يناسبه ، ففي الحديث عن الزرع ولأن للإنسان عملاً فيه مثل الحرْث والبذْر والسَّقْي وغيره نراه يؤكد الفعل الذي ينقض هذا الزرع ، فيقول: {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً . .} [الواقعة: 65] حتى لا يراودك الغرور بعملك .
أما في الحديث عن الماء وليس للإنسان دخل في تكوينه فلا حاجةَ إلى تأكيد الفعل كسابقه ، فيقول تعالى: {لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً . .} [الواقعة: 70] دون توكيد ؛ لأن الإنسان لا يدعي أن له فضلاً في هذا الماء الذي ينهمر من السماء .
نعود إلى المؤمن الذي ينصح صاحبه الكافر ، ويُعلِّمه كيف يستقبل نعمة الله عليه: {ولولا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ الله لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله . .} [الكهف: 39] {لولا} بمعنى: هلاَّ وهي للحثِّ والتحضيض ، وعلى الإنسان إذا رأى ما يعجبه في مال أو ولد حتى لو أعجبه وجهه في المرآة عليه أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله .