فهرس الكتاب
أجيب عن ذلك: بأنا لا نسلم أن النظر في علم النجوم والاستدلال بها حرام ؛ لأن من اعتقد أن الله تعالى خص كل واحد من هذه الكواكب بطبع وخاصة لأجلها يظهر منه أثر مخصوص فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل وأما الكذب فغير لازم ؛ لأن قوله {إني سقيم} على سبيل التعريض بمعنى أن الإنسان لا ينفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة إما في بدنه وإما في قلبه وكل ذلك سقم ، وعلى تقدير تسليم ذلك أجيب بأوجه:
أحدها: أن نظره في النجوم أو في أوقات الليل والنهار وكانت تأتيه الحمى في بعض ساعات الليل والنهار ، فنظر ليعرف هل هي تلك الساعة فقال {إني سقيم} فجعله عذراً في تخلفه عن العيد الذي لهم فكان صادقاً فيما قال ؛ لأن السقم كان يأتيه في ذلك الوقت.
ثانيها أنهم كانوا أصحاب النجوم أي: يعلمونها ويقضون بها على أمورهم ، فلذلك نظر إبراهيم في النجوم أي: في علم النجوم كما تقول: نظر فلان في الفقه أي: في علم الفقه فأراد إبراهيم أن يوهمهم أنه نظر في عملهم وعرف منه ما يعرفونه حتى إذا قال لهم {إني سقيم} سكنوا إلى قوله ، وأما قوله {إني سقيم} فمعناه سأسقم كقوله تعالى {إنك ميت} (الزمر: (
أي: ستموت.
ثالثها: أن نظره في النجوم هو قوله تعالى {فلما جن عليه الليل رأى كوكباً} إلخ الآيات (الأنعام: (
فكان نظره ليتعرف هذه الكواكب هل هي قديمة أو حادثة وقوله {إني سقيم} أي: سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل بلوغه.
رابعها: قال ابن زيد: كان له نجم مخصوص وكلما طلع على صفة مخصوصة مرض إبراهيم فلهذا الاستقراء لما رآه في تلك الحالة المخصوصة قال {إني سقيم} أي: هذا السقم واقع لا محالة.
خامسها: أن قوله {إني سقيم} أي: مريض القلب بسبب إطباق ذلك الجمع العظيم على الكفر والشرك كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم {فلعلك باخع نفسك} (الكهف: (