فأخذ أيوب التراب ووضعه على رأسه وقال: منك يا رب ثم خاف من الخاطر الأول فقال: مَسَّنِي الشيطان بنُصْبٍ وعذاب وذكر أحوالاً أُخَرَ. والله أعلم.
{إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) }
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف وجده صابراً وقد شكا إليه؟
فالجواب من وجوه:
الأول: أنه شكى مَسَّ الشيطان إليه وما شكى إلى أحدٍ.
والثاني: أن الآلام حين كانت على الجسد لم يذكر شيئاً فلما عظمت الوَسَاوِسُ خاف على القلب والدين فتَضَرَّع.
الثالث: أن الشيطان عدو والشكاية من العدو إلى الحبيب لا تقدح في الصبر.
قوله: {نِّعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ} يدل على أن التشريف بقوله: {نِّعْمَ العبد} إنما حصل لكونه أواباً.
روي أنه لما نزل قوله تعالى: {نِّعْمَ العبد} في حق سليمان تَارةً وفي حق أيوبَ أخرى عظم في قلوب أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقالوا: إن قوله: نعم العبد تشريفٌ عظيم فإن احتجنا إلى تحمل بلاء مثل أيوب لم نقدر عليه فكيف السبيل إلى تحصيله؟
فأنزل الله تعالى قوله: {نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير} .
وَالْمُرَادُ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَكُنْ نِعْمَ الْعَبْدُ فأنا نعم المولى وَإِنْ كَانَ مِنْكَ الْفُضُولُ، فَمِنِّي الْفَضْلُ، وَإِنْ كان منك التقصير، فمني الرحمة والتيسير.
{قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61) }
«فَإِنْ قِيلَ» : ما معنى تقديمهم العذاب لهم؟
فالجواب: الذي أوجب التقديم هو عمل السوء كقوله تعالى: {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج: 9، 10] إلا أن الرؤساء لما كانوا هم السبب فيه بإغوائهم وكان العذاب جزاءهم عليه قيل: أنتم قدمتموه لنا.
«فَإِنْ قِيلَ» : كل مِقْدَارٍ يفرض من العذاب فإن كان بقدر الاستحقاق لم يكن مضاعفاً وإن كان زائداً عليه كان ظلماً وإنه لا يجوز؟