وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ أَيْدِي قُرَيْشٍ إِذْ حَبَسَهُمُ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا لَهُ عَلَى مَكْرُوهٍ.
وَالَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ كَفَّ اللَّهِ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ قَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ} فَعَلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْكَفَّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ} غَيْرُ الْكَفِّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ}
وَقَوْلُهُ: {وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ}
يَقُولُ: وَلِيَكُونَ كَفُّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَيْدِيَهُمْ عَنْ عِيَالِهِمْ آيَةً وَعِبْرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ فَيَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُتَوَلِّي حِيَاطَتَهُمْ وَكَلَاءَتَهُمْ فِي مَشْهَدِهِمْ وَمَغِيبِهِمْ، وَيَتَّقُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ بِالْحِفْظِ وَحُسْنِ الْوَلَايَةِ مَا كَانُوا مُقِيمِينَ عَلَى طَاعَتِهِ، مُنْتَهِينَ إِلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.
{وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}
يَقُولُ: وَيُسَدِّدُكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ طَرِيقًا وَاضِحًا لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ، فَيُبَيِّنُهُ لَكُمْ، وَهُوَ أَنْ تَثِقُوا فِي أُمُورِكُمْ كُلِّهَا بِرَبِّكُمْ، فَتَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ فِي جَمِيعِهَا، لِيَحُوطَكُمْ حِيَاطَتَهُ إِيَّاكُمْ فِي مَسِيرِكُمْ إِلَى مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَنْفُسِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُمْ أَثَرَ فِعْلِ اللَّهِ بِكُمْ، إِذْ وَثِقْتُمْ فِي مَسِيرِكُمْ هَذَا.
وَقَوْلُهُ: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَوَعَدَكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ رَبُّكُمْ فَتْحَ بَلْدَةٍ أُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَى فَتْحِهَا، قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا لَكُمْ حَتَّى يَفْتَحَهَا لَكُمْ