ولما اعترف ماعز بالزنا هو والغامدية ، ورجمهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد إقرارهما متطوعين وإلحاحهما عليه في تطهيرهما ، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب! ثم سار النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى مر بجيفة حمار ، فقال:
"أين فلان وفلان؟ انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار"قالا: غفر الله لك يا رسول الله! وهل يؤكل هذا؟ قال - صلى الله عليه وسلم ـ:"فما نلتما من أخيكما آنفاً أشد أكلاً منه. والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها".
وبمثل هذا العلاج الثابت المطرد تطهر المجتمع الإسلامي وارتفع ، وانتهى إلى ما صار إليه: حلماً يمشي على الأرض ، ومثلاً يتحقق في واقع التاريخ.
وبعد هذه النداءات المتكررة للذين آمنوا ؛ وأخذهم إلى ذلك الأفق السامي الوضيء من الآداب النفسية والاجتماعية ؛ وإقامة تلك السياجات القوية من الضمانات حول كرامتهم وحريتهم وحرماتهم ، وضمان هذا كله بتلك الحساسية التي يثيرها في أرواحهم ، بالتطلع إلى الله وتقواه..
بعد هذه المدارج إلى ذلك الأفق السامق ، يهتف بالإنسانية جميعها على اختلاف أجناسها وألوانها ، ليردها إلى أصل واحد ، وإلى ميزان واحد ، هو الذي تقوم به تلك الجماعة المختارة الصاعدة إلى ذلك الأفق السامق:
{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوباً وقبآئل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. إن الله عليم خبير} ..
يا أيها الناس. يا أيها المختلفون أجناساً وألواناً ، المتفرقون شعوباً وقبائل. إنكم من أصل واحد. فلا تختلفوا ولا تتفرقوا ولا تتخاصموا ولا تذهبوا بدداً.