الشبهة:
هو قوله تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(56) .
وموضع الشاهد عند المعترضين في الآية الكريمة هو كلمة"قريب"وهي"خبر"اسم"إن""رحمة".
وحين نظروا في نظم هذه الآية توهموا كذلك أن فيها خطأً نحويًا منشؤه عدم التطابق بين المبتدأ"رحمة"والخبر"قريب"في التأنيث، لأن المبتدأ"رحمت"مؤنث. أما الخبر"قريب"فهو في الآية مذكر قالوا:
وكان يجب أن يتبع خبر"إن"اسمها في التأنيث فيقال: قريبة.
الرد على الشبهة:
ذكر علماؤنا في توجيه هذا"التذكير"الحاصل بحذف علامة التأنيث من الخبر، عدة وجوه، لا نريد أن نطيل بذكرها كلها، لذلك نكتفى بما يرد كيد هؤلاء الطاعنين في نحورهم.
-بعضهم يجعل"رحمة الله"في معنى الغفران أو الرضوان فلذلك جاء الخبر"قريب"مذكرًا.
وقد اختار هذا الرأي النضر بن شميل والزجاج.
* ومنهم من جعل"قريب"صفة لخبر محذوف مذكر تقديره: شيء أو أمر قريب، ودليل هذا الحذف هو تذكير"قريب".
* ومنهم من جعله من باب النسب، أي ذات قرب، كقولهم في حائض: ذات حيض.
* ومنهم من جعل"قريب"مصدرًا مستعملًا استعمال الأسماء مثل النقيق، وهو صوت الضفادع. والضغيب وهو صوت الأرنب. والمصدر يُلتزم فيه
الإفراد وإن جرى على جمع، والتذكير وإن جرى على مؤنث كما في هذه الآية الكريمة.
* ويرى آخرون أن تأنيث"رحمة"لما كان تأنيثًا مجازيًا لا حقيقيًا جاز في الاستعمال اللغوي تأنيث خبره وصفته، وجاز تذكيرهما على حدٍ سواء. سواء كان في ضرورة الشعر، أو في النثر.
وقال الحلبى تلميذ أبي حيان، وهما من الأئمة الأعلام في النحو:
"وهذا يجيء على مذهب ابن كيسان، فإنه لا يقصر ذلك على ضرورة الشعر، بل يجيزه في السعة".
وقال الفراء:"قريبة وبعيدة إما أن يراد بهما قرابة النسب أو عدمها فيؤنثها العرب ليس إلا، كقولهم: فلانة قريبة منى أي في النسب وبعيدة منى أي في النسب. أما إذا أريد بها القرب المكاني أو الزماني فإنه يجوز الوجهان؛ لأن قريبًا وبعيدًا قائم مقام المكان أو الزمان، فتقول:"
فلانة قريبة وقريب، وبعيدة وبعيد، والتقدير هي في مكان قريب وبعيد. قال الشاعر:
عشية لا عفراء منك قريبة
فتدنو ولا عفراء منك بعيد" (4) "
يعني أن الشاعر جمع بين الوجهين التأنيث والتذكير والموصوف مؤنث؛ لأن"قريب"و"بعيد"أريد بهما القرب في المكان والبعد فيه.
والآية الكريمة ليس القرب المذكور فيها مرادًا به قرب النسب فيلزم تأنيثه، وإنما المراد قرب الزمان، والعرب تجيز فيه الوجهين: التأنيث والتذكير.
ولأمرئ القيس، وهو من شعراء الجاهلية، وشعرهم حُجة في إثبات اللغة، بيت نحا فيه هذا المنحى؛ فقال:
له الويل إن أمسى ولا أم سالم
قريب، ولا البسباسة ابنته يُشكرا
والشاهد في البيت تذكير"قريب"مع جريانه على مؤنث"أم سالم"وهو نظير"قريب"في الآية الكريمة.
والخلاصة:
رأينا في الرد على هذه الشبهة أن القرآن الكريم لم يخرج عن سنن البيان العربي حين ذكَّر"قريب"في الآية، وهي مجراة على مؤنث مجازي غير حقيقي"رحمة الله".
وكان أصح وأثبت ما ذكرناه في الرد على خصوم القرآن، هو ما قاله الفراء رحمه الله، من أن العرب كانوا يفرقون بين القرب والبعد من النسب وبين القرب والبعد في المكان والزمان:
فالأول: يلتزم فيه تأنيث ما جرى خبرًا أو صفة لمؤنث.
أما الثاني: وهو القرب والبعد في المكان والزمان فإنهم يجيزون فيه الوجهين: التأنيث والتذكير، وقد ذكر رحمه الله بعض الشواهد الشعرية لشعراء هم حُجة في إثبات اللغة، وطرائق استعمالاتها. وبهذا تظهر براءة القرآن الناصعة مما حاول خصومه إلصاقه به من خطأ.