فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 324

{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(128)}

الرد على الشبهة:

لأن ولادة السيد المسيح - عليه السلام - تمت على هبة من الله تبارك وتعالى للسيدة العذراء مريم - عليها السلام - وليس من خلال الزواج بينها وبين رجل. فبعض أهل الكتاب (النصارى منهم خاصة) يتصورون أن كل نبي لا بد أن يولد بمثل هذه الطريقة.

وإذا كانت ولادة محمد صلى الله عليه وسلم مثل غيره من ملايين خلق الله فإن هذا عندهم مما يعيبونه به صلى الله عليه وسلم ويطعنون في صحة نبوته.

1 -فلم يدركوا أن بشرية محمد صلى الله عليه وسلم هي واحدة من القسمات التي شاركه فيها كل رسل الله تعالى منذ نوح وإبراهيم وغيرهما من بقية رسل الله إلى موسى - عليه السلام - الذين ولدوا جميعًا من الزواج بين رجل وامرأة. ولم يولد من غير الزواج بين امرأة ورجل إلا عيسى - عليه السلام - وكان هذا خصوصية له لم تحدث مع أي نبي قبله، ولم تحدث كذلك مع محمد صلى الله عليه وسلم.

2 -كانت ولادة محمد صلى الله عليه وسلم إعلانًا لكونه بشرًا من البشر يولد كما يولد البشر ويجرى عليه من الأحوال في أكله وشربه، وفي نومه وصحوه، وفي رضاه وغضبه وغير ذلك مما يجرى على البشر كالزواج والصحة والمرض والموت أيضًا.

3 -كان محمد صلى الله عليه وسلم يعتز بهذه البشرية ويراها سبيله إلى فهم الطبيعة البشرية وإدراك خصائصها وصفاتها فيتعامل معها بما يناسبها، وقد اعتبر

القرآن ذلك ميزة له في قوله تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(128) .

كما أعلن محمد صلى الله عليه وسلم اعتزازه بهذه البشرية وعجزها حين أعلن قومه أنهم لن يؤمنوا به إلا إذا فجر لهم ينابيع الماء من الأرض، أو أن يكون له بيت من زخرف، أو أن يروه يرقى في السماء وينزل عليهم كتابًا يقرأونه، فكان رده صلى الله عليه وسلم كما حكاه القرآن: (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولًا) .

4 -لقد قرر القرآن قاعدة كون الرسل من جنس من يرسلون إليهم؛ بمعنى أن يكون المرسلون إلى الناس بشرًا من جنسهم، ولو كان أهل الأرض من جنس غير البشر لكانت رسل الله إليهم من نفس جنسهم وذلك في قوله تعالى: (قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكًا رسولًا) .

وعلى المعنى نفسه جاءت دعوة إبراهيم عليه السلام: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك) . وقوله تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياتنا) . وقوله تعالى (لقد مَنّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم) . وقوله تعالى (فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله .. ) . وقوله تعالى (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم) .

وغير هذا كثير مما أكده القرآن وهو المنطق والحكمة التي اقتضتها مشيئته - تعالى - لما هو من خصائص الرسالات التي توجب أن يكون المرسل إلى الناس من جنسهم حتى يحسن إبلاغهم بما كلفه الله بإبلاغه إليهم وحتى يستأنسوا به ويفهموا عنه.

ومن هنا تكون"بشرية الرسول"بمعنى أن يجرى عليه ما يجرى على الناس من البلاء والموت ومن الصحة والمرض وغيرها من الصفات البشرية فيكون ذلك أدعى لنجاح البلاغ عن الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت