هناك من لا يؤمنون بأن القرآن قد حفظ، كما تقول الآية الكريمة: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9) ، ويقولون: قد يكون الذكر جزءً ا من القرآن، وليس كله. ويستدلون بكلام لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بأنه أقسم على أن هناك آية في القرآن تتحدث عن الرجم - وهذه الآية غير موجودة - وأن غنمه أكلت ورقة من القرآن كانت بيد عائشة رضي الله عنها (انتهى) .
الرد على الشبهة:
وفى الجواب عن هذه الشبهة نسأل:
لماذا بعث الله - سبحانه وتعالى - الرسل، وأنزل الكتب؟.
لقد كان ذلك رعاية من الله لخلقه .. ولطفًا بهم .. وحتى يكون حسابه لهم - كى لا يتساوى المحسن والمسئ - وجزاؤه إياهم على أفعالهم عدلًا إلهيًا خالصًا .. (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا) .
(لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) .
وقبل ختم النبوة والرسالة، كانت مهمة حفظ كتب الرسالات والشرائع موكولة إلى أمم هذه الرسالات كجزء من التكليف لهم والاختبار لاستقامتهم في هذا التكليف: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتى ثمنًا قليلًا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) .لكنهم فرطوا في القيام بتكليف الحفظ للكتب بالنسيان حينًا وبالتحريف والإخفاء حينًا آخر: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكَلِمَ عن مواضعه ونسوا حظًا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلًا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين * ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظًا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون * يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) .
وعندما كانوا يحرفون هذه الكتب، أو ينسون بعضها ويخفون البعض الآخر، كان الله يبعث رسولًا جديدًا بكتاب جديد ..
أما عندما أراد الله - سبحانه وتعالى - مع بلوغ الإنسانية سن الرشد - ختم النبوات والرسالات بنبوة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فكان لابد لحفظ كتاب الشريعة الخاتمة من حافظ لا يجوز عليه الإهمال، ولا يتأتى منه التحريف، ولا يليق به النسيان .. أي كان لابد من الحفظ المعصوم الدائم للكتاب المعجز الخالد. لأن ترك حفظ الكتاب الخاتم للبشر، الذين يجوز عليهم الإهمال والتحريف والنسيان معناه طروء وحدوث التحريف والضياع لهذا الكتاب، حيث لا وحي سيأتي ولا رسول سيبعث ولا كتاب سينزل .. الأمر الذي لو حدث - افتراضًا - سيضل الناس ولا رعاية لهم، ولا حُجة عليهم، تجعل من حسابهم وجزائهم عدلًا إلهيًا مناسبًا.
ولذلك، انتقلت مهمة حفظ الوحي الخاتم - القرآن الكريم - في الرسالة الخاتمة إلى الله - سبحانه وتعالى - الذي لا يتخلف حفظه أبدًا، بعد أن كانت هذه المهمة في الرسالات السابقة، استحفاظًا من الله للناس، أي طلبًا منه لهم أن يحفظوا ما أنزل عليهم من الكتاب. فكان الوعد الإلهي المؤكد: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) .