فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 324

{وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ(26)}

(حول عصيان البشر: مع أنهم من المخلوقات الطائعة القانتة لله)

كل المخلوقات في السماوات والأرض طائعة وقانتة لله تعالى [الروم: 26] ومع ذلك نجد حالات كثيرة من عدم الطاعة من جانب البشر مثلًا: {وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10) } [الحاقة: 9 - 10] . (انتهى) .

الرد على الشبهة:

كل المخلوقات في السماوات والأرض، طائعة وقانتة لله - سبحانه وتعالى - (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ(26) .

فهم قانتون لله، أي خاضعون ومطيعون لإرادته - سبحانه وتعالى - ومع ذلك يشهد الواقع، وتحكى الآيات القرآنية الكثير من حالات العصيان وعدم الطاعة من جانب البشر وذلك من مثل قوله سبحانه: (وجاء فرعون ومن قَبْلَه والمؤتفكات بالخاطئة * فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية) .

ففي هذه الآية وحدها إشارات إلى عصيان فرعون .. وعصيان من سبقه من المؤتفكات - أي قُرى قوم لوط - الذين أخذهم الله أخذة رابية، أي زائدة في الشدة على غيرها.

بل إن تاريخ الإنسان هو صراع بين أهل العصيان .. حتى أن المأثور النبوي الشريف قد تحدث عن أن كل بنى آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.

فكيف يتسق شيوع العصيان في البشر، مع الآية القرآنية التي تحدثت عن أن كل من في السماوات والأرض قانتون - أي خاضعون ومطيعون - لله سبحانه وتعالى؟ ..

إن مفتاح الإجابة عن هذا التساؤل، هو فهم أنواع الإرادة الإلهية والقضاء الإلهي .. فالله سبحانه لا يريد العصيان، ولا يقضي بالشر .. لكن إرادته وقضاءه نوعان:

1 -إرادة وقضاء تكوينى وحتمى للمخلوقات غير المُخَيَّرة .. وذلك مثل القضاء الذي تتحدث عنه الآية: (فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها) .

(وإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون) .

ففي هذا اللون من الأمر الإلهي والقضاء الربانى تكون المخلوقات غير المختارة مجبولة على القنوت والطاعة والخضوع لله سبحانه وتعالى ..

2 -إرادة وقضاء معهما تخيير .. وذلك خاص بالإنسان المُخَيَّر .. المكلف .. المسئول والذي له - بسبب هذا التخيير والحرية - حساب وجزاء.

وإلى مثل هذا تشير الآيتان: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا) .

فنحن هنا أمام قضاء إلهي، شاء الله سبحانه وتعالى أن يترك للإنسان المخير إزاءه حرية الطاعة والعصيان ليتميز الخبيث من الطيب، وليكون الجزاء وفق العمل والإرادة والاختيار .. فالإنسان المُخَيَّر، الذي هداه الله النجدين، له قدرات واستطاعات الطاعة والعصيان .. ولذلك كان من جنس الإنسان المؤمن والكافر، والمطيع والعاصى ومن يبتغى وجه الله ومن يبتغى غير دين الله .. بينما المخلوقات غير المختارة مجبولة على الطاعة والخضوع (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه يرجعون) ، وقوله تعالى: (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا) ، وقوله سبحانه وتعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين) .

ففي مخلوقات الله مخلوقات مجبولة على الطاعة والخضوع .. وفي هذه المخلوقات مخيرون، منهم من يطيع ومنهم من يختار العصيان، فيبتغى غير دين الله!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت