منشأ هذه الشبهة:
هو قوله جل ثناؤه:
( .. فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ...(196) .
موطن الشاهد على هذه الشبهة عندهم هو قوله تعالى:"تلك عشرة كاملة"بعد قوله عز شأنه:"فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم"
وفى تصوير هذه الشبهة قالوا:
"فلماذا لم يقل: تلك عشرة؟ مع حذف كلمة"كاملة"تلافيًا لإيضاح الواضح؟ لأنه مَنْ الذي يظن أن العشرة تسعة"؟!
الرد على الشبهة:
من الآيات الكونية لله حركة القمر في رحلته الشهرية حيث يظهر ضعيفًا نحيفًا في أولى لياليه، حتى لا يكاد يراه أحد إلا بأجهزة الرصيد الحساسة، ثم ينمو ويكبر ليلة وراء ليلة، وفي كل ليلة تالية تصحبها ظاهرتان في تطور القمر:
الظاهرة الأولى: إطالة مكثه بعد غروب الشمس، فهو في أولى لياليه لا يمكث إلا لحيظات في شكله الضعيف النحيف.
أما الظاهرة الثانية: فهى تطور حجمه من الضعف والنحافة إلى القوة والضخامة.
أما في الليالى التالية فتزيد مدة مكثه بعد غروب الشمس، ويكبر حجمه، ليلة تلو ليلة.
وفى ليلة الخامس عشر من بدء ولادته تصل الظاهرتان إلى أقصى درجة لهما.
فيمتد مكثه طول الليل، منيرًا في الوجود.
ويكتمل قرصه فيملأ الدائرة المخصصة له ويكتمل نوره 100% ويحيل الليل المظلم إلى نور قوى هادئ فيه منافع للناس، ويُعجِب الناظرين، ويتغنى بجماله الشعراء، ويشبهون به كل ما يرونه:
* حسنًا جميلًا.
* بهيًا ساحرًا.
* رفيع الشأن شامخًا.
حتى العامة من الناس - غير الشعراء المرهفى الحس - يفتنون به، ويعبرون عن بهائه وسحره. ويمجدون بوصفه كل جميل، فيقولون:"قمر أربع عشرة"أي قمر الليلة التي يرون فيها القمر يوم الرابع عشر، التي سيعقبها اليوم الخامس عشر من الشهر، والقمر في هذه الليلة يبلغ كمال شبابه ونضجه.
ومنذ فجر الحياة كان القمر، وبخاصة في ليلة كماله مبعث الإعجاب والبهارة والابتهاج في نفس كل من يراه، ولم يشذ عن هذا الإحساس أحد،
فإن رأيت من يذم القمر في ليلة كماله فاعلم أنه رجل مريض الحس، فاسد الذوق، غريب الأطوار.
والأساليب البيانية شأنها شأن القمر، في تدرج أنماطها وتفاوت درجاتها:
فمنها الحديث اليومى العادى، الذي يخلو من الخصائص الفنية ومنها المتوسط الدرجة، الذي لا يمدح ولا يذم.
ومنها البيان العالى المؤثر في النفوس، الممتع للعواطف المثرى للفكر.
ومنها البيان الأعلى، المعصوم من النقد، الذي يحس الناس برونقه وإحكامه وجماله وكماله وجلاله، وهو القرآن المعجز العظيم.
ومن أساليب هذا البيان الأعلى الذي لا يضارعه بيان، أسلوب التوكيد كما في قوله تعالى (تلك عشرة كاملة) .
ونبدأ بأقوال الأئمة في بيان قيمة"تلك عشرة كاملة"في تقوية الأسلوب وتوفير العناية بالمعنى، نبدأ بما قاله الإمام الزمخشري:
"فإن قلت: ما فائدة الفذلكة"؟ قلت: الواو قد تجيء للإباحة في نحو قولك: جالسى الحسن، وابن سيرين، ألا ترى أنه لو جالسهما جميعًا، أو واحدًا منهما كان ممتثلًا، فَفُذْلِكَتْ (2) نفيًا لتوهم الإباحة.
وأيضًا ففائدة الفذلكة في كل حساب أن يُعْلَم العدد جملة كما عُلِم تفصيلًا ليحاط به من جهتين فيتأكد العلم به.
وفى أمثال العرب:
"علمان خير من علم".
وكذلك"كاملة"تأكيد آخر، وفيه زيادة توصية بصيامها، وألا يتهاون بها، ولا ينقص من عددها.
وقيل"كاملة في وقوعها بدلًا من الهدى".
يعني أن في هذه العبارة توكيدين: