فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 324

الرد على الشبهة:

ما ذنب النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يقع قومه ومن أرسل إليهم في خطيئة الزنا أو أن يكونوا من أصحاب الجحيم؟ ما دام هو صلوات الله وسلامه عليه قد برئ من هذه الخطيئة ولاسيما في مرحلة ما قبل النبوة، وكانت مرحلة الشباب التي يمكن أن تكون إغراء له ولأمثاله أن يقعوا في هذه الخطيئة؛ لاسيما وأن المجتمع الجاهلي كان يشجع على ذلك وكان الزنا فيه من الأمور العادية التي يمارسها أهل الجاهلية شبانًا وشيبًا أيضًا. وكان للزنا فيه بيوت قائمة يعترف المجتمع بها، وتُعلق على أبوابها علامات يعرفها بها الباحثون عن الخطيئة، وتعرف بيوت البغايا باسم أصحاب الرايات.

ومع هذا الاعتراف العلنى من المجتمع الجاهلي بهذه الخطيئة، ومع أن ممارستها للشباب وحتى للشيب لم تكن مما يكره المجتمع أو يعيب من يمارسونه؛ فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يقع فيها أبدًا بل شهدت كل كتب السير والتواريخ له صلى الله عليه وسلم بالطهارة والعفة وغيرهما من الفضائل الشخصية التي يزدان بها الرجال وتحسب في موازين تقويمهم وتقديرهم، وأرسله الله سبحانه ليغير هذا المنكر. هذه واحدة والثانية: أن الرسالة التي دعا بها ودعا إليها محمد صلى الله عليه وسلم حرّمت الزنا تحريمًا قاطعًا وحملت آياتها في القرآن الكريم عقابًا شديدًا للزاني والزانية يبدأ بعقوبة بدنية هي أن يجلد كل منهما مائة جلدة قاسية يتم تنفيذها علنًا بحيث يشهدها الناس لتكون عبرة وزجرًا لهم عن التورط فيها

كما تقول الآية الكريمة: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(2) .

فإذا كان الزانيان محصنين أي كل منهما متزوج ارتفعت العقوبة إلى حدّ الإعدام رميًا بالحجارة حتى الموت.

ولا تقف العقوبة عند ذلك بل نرى أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم تضع مَنْ يمارسون هذه الخطيئة في مرتبة دونية من البشر حتى لكأنهم صنف منحط وشاذ عن بقية الأطهار الأسوياء فتقول الآية الكريمة عنهم: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) .

من الذي يحمل المسئولية عن الخطيئة؟

فإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم قد طهر من هذه الخطيئة في المجتمع الذي كان يراها عادية ومألوفة، ثم كانت رسالته صلى الله عليه وسلم تحرمها التحريم القاطع والصريح، وتضع مرتكبيها في مرتبة الانحطاط والشذوذ عن الأسوياء من البشر ..

فلِمَ يُعَيّر محمد صلى الله عليه وسلم بأن بعض قومه زناة؟ وهل يصح في منطق العقلاء أن يعيبوا إنسانًا بما في غيره من العيوب؟ وأن يحملوه أوزار الآخرين وخطاياهم؟.

وهنا يكون للمسألة وجه آخر يجب التنويه إليه وهو خاص بالمسئولية عن الخطيئة أهى فردية خاصة بمن يرتكبونها؟ أم أن آخرين يمكن أن يحملوها نيابة عنهم ويؤدون كفارتها؟!

أن الإسلام يمتاز بأمرين مهمين:

أولهما: أن الخطيئة فردية يتحمل من وقع فيها وحده عقوبتها ولا يجوز أن يحملها عنه أو حتى يشاركه في حملها غيره وصريح آيات القرآن يقول: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليه ما اكتسبت) . ثم: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) . وورد هذا النص في آيات كثيرة.

أما الأمر الثاني: فيما أقره الإسلام في مسألة الخطيئة فهو أنها لا تورث، ولا تنقل من مخطئ ليتحمل عنه وزره آخر حتى ولو بين الآباء وأبنائهم وفي هذا يقول القرآن الكريم: (واتقوا يومًا لا تجزى نفس عن نفس شيئًا) .

(هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت