منشأ هذه الشبهة:
ومنشأ هذه الشبهة - عندهم - قوله تعالى: (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(69) .
والشاهد - عندهم - في الآية هو قوله تعالى:"وخضتم كالذي خاضوا"وآثرنا ذكر الآية بتمامها لأن الرد على هذه الشبهة يقتضى النظر في الآية كلها لا في الجزء الذي استشهدوا به وحده.
وكان تعليقهم على قوله عز وجل: (وخضتم كالذي خاضوا) هو قولهم:"وكان يجب أن يجمع اسم الموصول العائد على ضمير الجمع فيقول: (خضتم كالذين خاضوا) !"
الرد على الشبهة:
هذه الآية - بتمامها - وردت في سياق الحديث عن المنافقين؛ لأن ما قبلها هو قوله عز وجل: (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم) .
والآية مسوقة لتهديد المنافقين والكفار، لعلهم يقلعون عما هم فيه من نفاق وكفر.
وقد أدير الحديث فيها على تشبيه المخاطبين (المنافقين والكفار) بالأمم الغابرة، كانت أشد منهم قوة، وأكثر مالًا وولدا، وانغمسوا في شهواتهم الفانية، فسار المنافقون والكفار سيرتهم فركنوا إلى متع الحياة الدنيا الفانية، ولم يبتغوا ما عند الله، وأن المنافقين والكفار فعلوا كل ما فعله من قبلهم من المعاصى والسيئات.
ثم بين الله عز وجل أنهم الخاسرون في الدنيا والآخرة فالذي معنا في الآية فريقان:
-فريق سابق في الزمن، لم يكن موجودًا في عصر نزول القرآن.
-فريق كان حاضرًا في عصر نزول القرآن، وهم الذين خاطبهم الله في هذه الآية الكريمة. وليس في هذه الآية فريق ثالث تحدثت عنه الآية.
ومن هذا يتضح أن تعقيب خصوم القرآن على هذه الآية، بأن الصواب أن يقال:"وخضتم كالذين خاضوا"فاسد من كل الوجوه؛ لأن معنا في الآية فريقان لا ثلاثة، ولو قيل:"خضتم كالذين خاضوا"لانفكت رابطة الكلام، ولبرز في النظم طرف ثالث لا وجود له في سياق الآية.
بيان ذلك:
أن المقارنة جرت في الآية بين الفريقين"المنافقين والكفار"و"الأمم الغابرة". ودارت المقارنة على هذا المنهج:
-فاستمتعوا بخلاقهم.
-فاستمتعتم بخلاقكم.
-كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم.
-وخضتم كالذي خاضوا.
والمعنى: وخضتم خوضًا مثل خوضهم.
فالذي في الآية اسم موصول مفرد، يعود على المصدر المفهوم من الفعل الماضى"خضتم"فشبه الله عز وجل خوض المنافقين بخوض الذين من قبلهم. وهذا هو النسق الذي دارت عليه المقارنة في الآية تشبيه سلوك اللاحقين بسلوك السابقين من الأمم الغابرة، التي عتت عن أمر ربها وعصت رسله.
واختار الإمام الشوكاني أن المعنى:"كالخوض الذي خاضوا"، ومن قبله قال الإمام الزمخشري:"وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا".
هذا هو الحق في هذه العبارة، لا كما قال خصوم القرآن الكارهون لما أنزل الله عز وجل.