فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 324

{هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ(19)}

منشأ هذه الشبهة:

هو قوله تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ(19) .

يقولون:

كان يجب أن يثنى الضمير العائد على المثنى، فيقول:"خصمان اختصما في ربهما"!.

الرد على الشبهة:

أشرنا من قبل إلى طريقتين من طرق التعبير اللغوي الفصيح، وهما:

-طريقة مراعاة اللفظ.

-وطريقة مراعاة المعنى

فحيث جمع القرآن الضمير العائد على المثنى، فهو من استعمالات الطريقة الثانية، التي يراعى فيها جانب المعنى على جانب اللفظ.

وينبغي أن نعرف أن المثنى نوعان:

-مثنى حقيقي، ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى: (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما) .

ف"رجلان"مثنى حقيقي؛ لأن واحده فرد في الوجود؛ أو ذات واحدة؛ هذا هو المثنى الحقيقي. وإذا وُصِفَ أو استؤنف الحديث عنه وجب تثنية الضمير العائد عليه.

* أما النوع الثاني من المثنى، فهو المثنى اللفظى ومثاله من القرآن قوله تعالى: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع) .

وهذا النوع من المثنى ضابطه أن واحده جمع فرد من عدة أفراد، وليس فردًا واحدًا.

والنوع الأول (المثنى الحقيقي) يسمى مثنى لفظًا ومعنى.

أما الثاني (المثنى غير الحقيقي) فيسمى مثنى في اللفظ، وجمعًا في المعنى. وفي وصفه أو استئناف الحديث عنه يجوز أن يراعى فيه جانب اللفظ، أو جانب المعنى.

ومنه ما ورد في آية"الحج":"هذان خصمان"لما كان معناه جمعًا روعى فيه جانب المعنى فقال عز وجل:"اختصموا في ربهم"ومعروف أن مفرد الخصمين خصم، وهو اسم جنس يندرج تحته - هنا - أفراد كثيرون وبهذا نزل القرآن في هذه الآية، فتحدث عن الخصمين بضمير"الجمع"الذي هو"واو الجماعة""اختصموا"ثم بضمير الجماعة"هم"في قوله تعالى:"في ربهم".

ونظيره في القرآن قوله تعالى:

(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) . أعاد الضمير جمعًا"اقتتلوا"هذا في جملة الخبر، مع أن المبتدأ مثنى"طائفتان"وذلك لأن هذا اللفظ مثنى غير حقيقي، بل هو مثنى في اللفظ، جمع في المعنى.

وفى هذه الآية راعى النظم القرآني المعجز المعنى في جملة الخبر وحدها"اقتتلوا"ثم راعى اللفظ في بقية الآية هكذا:

(فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما) .

وكلا المنهجين فصيح صحيح بليغ.

والذي سوَّغ مراعاة المعنى في"اقتتلوا"وقوعه بعد جمعٍ، هو"المؤمنين"، وليس فوق ذلك درجة من الصحة والإصابة، وإن كره الحاقدون.

والخلاصة:

أن"اختصموا"و"في ربهم"الذوق السليم يشهد أن"اختصموا"أبلغ من اختصما، وأن"ربهم"أبلغ من ربهما.

لأن"اختصموا"يفيد تبادل الخصومة بين جميع أفراد ال"خصمان"من أول وهلة، وكذلك " ربهم؛ إن ضمير الجمع فيه"هم"يفيد من أول وهلة ربوبية الله لكل فرد منهم."

والاختصام هو الحدث الرئيسى في هذه الواقعة. فعُبِّر عنه بهذا اللفظ الفخم"اختصموا"ومحال أن يستقيم لو قيل بعده"في ربهما"فسبحان من هذا كلامه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت