فإن قيل: إن موسى - عليه السلام - أنزل الله عليه وعلى قومه المن والسلوى وظلّل عليهم الغمام, قلنا: لمحمّد - صلى الله عليه وسلم - أفضل من ذلك فإنّ المنّ والسلوى رزق رزقهم الله تعالى كُفُوا فيه السّعي والاكتساب على ما كانوا قد منعوا منه من الطيبات كما قال الله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء 160] وكانوا لما أنزل الله تعالى عليهم المن والسلوى محصورين في التّيه يتيهون, فهي نعمة في طيّ نَقِمَةٍ تفضّلًا من الله تعالى عليهم, فإنه ذو مغفرة للناس على ظلمهم ولا يمنع عاصيًا رزقَه المكتوب له لأجل معصيته, فإنه لابدّ له من القوت أيّام حياته مطيعًا وعاصيًا.
فأما محمّد - صلى الله عليه وسلم - فإنه ما أملق أصحابه أو عطشوا إلا دعا لهم بالبركة في الطعام والشراب حتى يكتفوا ويفضل عنهم وكان في ذلك فضيلة أخرى وهي جعل البركة في القليل حتى يكفي النفر الجليل, فقد كان يصيب أصحابَه الفاقَةُ في غزواتهم ويَقلّ عليهم الطعام والماء فيدعو بما يكون قد بقي معهم من ذلك, فيوجَد الشيء اليسير فيدعو فيه فيبارَك فيه حتى يأكلوا ويشربوا ويكتفوا ويفضل منهم كما هو مستفيض في المنقول, وأحلّ لهم الغنائم ولم يحلّ لأحد كان قبلهم رحمةً لهم ولطفًا بهم لأنّه رأى ضعفهم فأحلّها لهم وقوّاهم بها على عدوّهم وعلى أمور دينهم ودنياهم, فأدّوا الأمانة فيما أمروا به من اجتناب الغلول وحمل ما يحصل من الغنائم إلى الإمام ورضاهم بما يحصل لهم بالقسمة كما ذكرنا من خبر قيس بن سعد حين وَجَدَ الحُقَّ الذي فيه من الأموال ما تستغني به عِدَةُ أهل أبياتٍ غِنَى الأبد فردَّهُ وقال لهم: لولا الله ما رأيتموه.
وأما قوم موسى - عليه السلام - فإنه يكفل لهم بأن المنّ والسلوى ينزل عليهم كل يوم قدر كفايتهم وأمرهم أن لا يدّخروا شيئًا فخانوا وخالفوا وادخروا فأنتن ما ادخرُوا وَدَادَ وفسد فقطعه الله تعالى عنهم كما جاء في الحديث: «لولا بنوا إسرائيل لم يخنز اللحم وَلولا حوّاء لم تخن أنثى زوجَها الدهرَ» فأين هؤلاء من هؤلاء؟! وأبلغ من ذلك أنّ أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا يخرجون في غزواتهم فيحصل لهم الحاجة فيجدون ما يكفيهم ويفضل كالذين خرجوا إلى ساحل البحر وقلّت أزوادهم فوجدوا حوتًا قد قذفه البحر فأكلوا منه شهرًا وادّهنوا حتى سمنوا.
وأما دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - لآحاد من الناس بالبركة ونحو ذلك فيضيق الوقت عن حصْرِه كَعُكّة أم سُلَيم التي أهدت له فيها سمنًا فردّها ولم يعصرها فكانت كلّما أرادت سَمْنًا أخذت منها حتى عصَرتها ففني فقال - صلى الله عليه وسلم: «لو لم تَعصرها لأخذَتْ منها وقام لها أدم بيتها ... » الحديث.
وكجراب أبي هريرة - رضي الله عنه - الذي كان فيه دون عشرين تمرة فدعا فيه بالبركة فأكل وجهّز في سبيل الله كذا وكذا وسقا وبقي يأكل منه ويطعم إلى أن قتل عثمان بن عفّان - رضي الله عنه - ففقد الجراب في تلك الواقعة, وكشعير عائشة رضي الله عنها الذي دعا فيه فكانت تأكل منه حتى كالته ففني وهذا باب واسع.
وأيضًا فإنّ بني إسرائيل لمّا رزقوا المنّ والسّلوى كانوا محجورًا عليهم في التّيه, معاقَبين على مخالفة الأمر بالدخول إلى الأرض المقدّسة لما احتجوا بأنّ فيها قومًا جبّارين, فقالوا: إنّا لن ندخلها أبدًا ماداموا فيها, وقالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون, فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض, فجعلهم يتيهون في أرض التّيه تلك المدّة, فهذا كان حالهم لما أنزل الله تعالى عليهم المن والسلوى وأصحاب نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - لمّا أمرهم بالقتال قالوا: اوْمُرْنا بما شئت فوالله لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها, ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا, إنّا لا نقول كما قال أصحاب موسى لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون, بل نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون, وقد تقدم هذا المعنى؛ فكان ما أعطي أصحاب موسى - عليه السلام - في مقام الرحمة, وما أعطي أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في مقام الكرامة والنعمة.