فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 93

فأما العشر التي في سورة براءة فقوله: {التَّائِبُونَ} [التوبة 112] فقد أوتيها محمد - صلى الله عليه وسلم - بل وكثير من أمَّته, فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «استغفروا الله وتوبوا إليه فإنِّي أتوب إلى الله في اليوم مائة مرّة» , وفي أمّته من يفعل ذلك وقريبًا منه كثير, وقوله: {الْعَابِدُونَ} [التوبة 112] فبعبادته تضرب الأمثال وحالُهُ فيها لا تطاق, فقد كان يقوم حتى تتفطر قدماه, ويصوم حتى يُقال لا يفطر, وكنت لا تشاء أن تراه من الليل قائمًا إلا رأيته, وكان يقوم من الليل ما شاء الله ثم ينام ثم يقوم ثم ينام ثم يقوم وهذه حالةٌ لا يتمكن منها أحد غيره في الليلة الواحدة, وكثير من أمَّته كان يُحيي الليل ويصوم النهار, وأراد بعض أصحابه أنْ يتبتَّل فنهاهم عن ذلك, وعزموا على الوصال في رمضان كما كان يُواصِل فنهاهم خوفًا عليهم أن يُفرَض عليهم فيعجز منهم من يعجز منهم عنه, وكان كثيرًا ما يعمل العمل والأشياء من النوافل وقتًا دون وقتٍ خوفًا أن يتبعه أصحابُه فيُفرَض عليهم, وخلائق من لايُحصى من أمَّته كان يصلِّي الصبح بوضوء العشاء ويَسرُد الصَّومَ في ضمن ما يعملون من الجهاد وغيره مما يطول شرحه وهو واضح ظاهر, وقوله: {الْحَامِدُونَ} [التوبة 112] فقد كان محمد - صلى الله عليه وسلم - أعظم النَّاس حمدًا لربِّه سبحانه, وأنزل الله فاتحة الكتاب المفتتحة بالحمد لله التي لم تُنزل على أحد من الأنبياء قبله المتضمّنةِ لحقوق الله تعالى ومطالب العبد كما في الحديث «قسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل, يقول العبد: الحمد لله رب العالمين, يقول الله: حمدني عبدي ... » (الحديث) .

فجعل الله هذه السورة مُكرَّرة في صلاته في كل ركعة من الصلوات الخمس فجعل صلاته كلّها حمدًا لله تعالى, هذا غير ما يحمده في غيرها ضمن التسبيح والتحميد والتكبير الذي كان يفعله عقيب الصلوات وعند المنام وعند القيام وعند الطعام وعند غالب أحواله ولأمَّته من ذلك النصيب الوافر, ولهذا أنزل في التوراة على موسى في صفتهم أنهم"الحمَّادون رُعاة الشمس"يعني المحافظين على الصلوات في أوقاتها بمراعاة زوال الشمس وتحلّقها وغروبها وغير ذلك, فمحمَّد - صلى الله عليه وسلم - وأمَّته الحمَّادون الله على كل حال وفي كل نعمة, وفي التوراة أنهم الحمادون على كل نجد؛ وقوله:

{السَّائِحُونَ} [التوبة 112] يعني «الصّائمين» رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -, وقال سعيد بن جُبَيْر: هم الصائمون ألم تر أنّ الله تعالى إذًا ماذكر الصائمين, وقال الحسن: {السَّائِحُونَ} [التوبة 112] الصائمون عن الحلال الممسكون عن الحرام, وقال عطاء: {السَّائِحُونَ} [التوبة 112] الغُزَاةُ والمجتهدون, وقال عُمَر بن نافع: سمعت عكرمة وسئل عن قول الله تعالى: {السَّائِحُونَ} [التوبة 112] فقال: هم طلبة العلم, وقد أوتي محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وأمَّته من هذا النصيب الأوفى فقد ذكرنا أنه كان يصوم حتى يُقال لايُفطر, وقال بعض أصحابه وأراد التّبتل للعبادة: أما أنا فأصوم لا أُفْطر وهو عبد الله بن عمرو بن العاص وفعل ذلك مدَّة حتى نهاه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك شفقةً عليه.

وأمّا كون السياحة الجهاد فقد باشر النبي - صلى الله عليه وسلم - الجهاد بنفْسه وكُسرت رباعيته ودُمِي وهُشمت البيضة على رأسه وكان يَحْمل على الكَتيبَةِ ويقول: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبدالمطلب» فيُوَلّي الكفارُ الأدبارَ, وقد جاهد في الله تعالى حق جهاده, وفي الصحيح أنَّ البراء قال: كنا والله إذا احمرَّ البأس نتَّقي به وإن الشجاع منَّا للذي يُحاذي به يعني النبي - صلى الله عليه وسلم -, وكان من أُمَّته من إذا لقي العدو كسَر جَفْن سيفه وحمل عليهم, ومنهم من كان في يده تمرات فلمَّا التقى الجمعان قال: لئن عشتُ حتى آكل تمراتي هذه إنَّها لحياة طويلة فألقى التمرات وقاتل حتّى قُتل ومن هذا الجنس في أمّة محمد - صلى الله عليه وسلم - قديمًا وحديثًا كثيرٌ معروف مشهور.

وأمَّا كون السِّياحة طلب العلم فإنَّ محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - كان في بَدْء أمره يتزوَّد ويخرج إلى جبل حراء يتوقع نزولَ الوحي وتعلُّم العلم من الملَك, ولم يُنقَل عن أحد من الأمم في كثرة طلب العلم ما في أمَّة محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى إنَّ أحدهم يرحل مسيرة الشهر في طلب الحديث الواحد, ومنهم من يتغرَّب السنين في طلب العلم ويترك وطنه وأهله وولده, وقوله: {الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ} [التوبة 112] : يعني المصلين.

وقد ذكرنا أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - صلَّى حتى تفطَّرت قدماه, وأمَّتُه الموصوفون في التوراة بأنهم رُعاة الشمس يُوضِّؤون أطرافهم ويسجدون على جباههم وأن الأرض كلها لهم مسجد وترابها طَهُور, فليس في الأمم أعظم صلاة منهم كما هو وصفهم في التوراة أنهم يصفّون في صلاتهم صفوف الملائكة وأصواتهم في مساجدهم كَدوي النحل, وأن موسى - عليه السلام - قد كان أراد بني إسرائيل على أقلّ من خمس صلوات فلم يقدروا ولم يفعلوا كما في حديث الإسراء, وفي أمّة محمد - صلى الله عليه وسلم - مَن يُصلي الخمس ثم يصلي من النوافل أضعافها, فصلاة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمّته على أتمّ الوجوه وأكمل الأحوال؛ وقوله: {الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة 112] وكان لمحمد - صلى الله عليه وسلم - من ذلك النصيب الأوفى والحظ الأسنى كما أوحى الله تعالى إليه في شأن أهل الكتاب أنه - صلى الله عليه وسلم - {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف 157] فأخبر سبحانه وتعالى أنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل بهذه الصفات وكذلك صفة أمته في التوراة أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر, وقوله: {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} [التوبة 112] قال ابن عباس رضي الله عنهما: القائمون على طاعة الله, وهذا من خواص ما أوتي محمد - صلى الله عليه وسلم - أنّ دينه لا يزال قائمًا حتى تقوم الساعة كما في الصحيح:

«لا تزال طائفة من أمتي يدعون إلى الحقّ لايضرهم مَن خذلهم ولا مَن خالفهم حتى تقوم الساعة»

وقال الحسن: الحافظون لحدود الله هم أهل الوفاء ببيعته كما قال له بعض أصحابه حين ندبهم إلى الجهاد: والله لانقول لك كما قال أصحاب موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون, بل نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكم مقاتلون, واللهِ لو أمرتنا أن نُخيضها البحر لأخضناها, ولو أمرتنا أن نضرب أكبادَها إلى بَرك الغِماد لفعلنا. ولما نودي في أصحابه يوم هوازن حين ولّوا لما رَمَوهم بالنّبل نادى العباس: يا أصحاب السَمُرة يا أصحاب سورة البقرة فذكّرهم عقد البيعة التي بايعوا بها محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة عَطَفوا عطفة البقر على أولادها يقولون: يا لبيّك يا لبيّك, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الآن حين حمي الوطيس» وأنزل الله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 172]

وأما تفصيل العشر التي في الأحزاب وأن محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - أوتيها على أكمل الأحوال وأتمّ الأفعال فقوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ... } الآية [الأحزاب: 35] فقد روي أن مقاتل بن حَيَّان قال: بلَغني أنّ أسماء بنت عُمَيس رضي الله عنها رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما فدخلت على نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: هل نزل فينا شئ من القرآن, قلن: لا, فأتَتْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خَيبةٍ وخسارٍ, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ومِمَّ ذاك» , قالت: لأنهنّ لا يُذكَرْن بخير كما يُذكَر الرجال فأنزل الله - سبحانه وتعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35] ولا ريب أنّ هذه الأمور كانت من محمد - صلى الله عليه وسلم - على أكمل الأحوال وفي كثير من أمّته كانت وتكون على الأحوال الكاملة, وقد قال عطاء بن أبي رباح رحمة الله عليه: من فوَّض أمره إلى الله - عز وجل - فهو داخل في قوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب 35] , ومن أقرّ بأنَّ الله ربّه وأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رسوله ولم يخالف قلبُه لسانَه فهو داخل في قوله: {وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب 35] , ومن أطاع الله تعالى والرسول - صلى الله عليه وسلم - في السنَّة فهو داخل في قوله: {وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ} [الأحزاب 35] , ومن صان لسانه عن الكذب فهو داخل في قوله: {وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ} [الأحزاب 35] , ومن صَلَّى فلم يَعرفْ مَن عن يمينه وعن يساره فهو داخل في قوله: {وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ} [الأحزاب 35] , ومن صبر على الطاعة وعن المعصية وعلى الرَّزيئة فهو داخل في قوله: {وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ} [الأحزاب 35] , ومن تصدَّق في كل أسبوع بدرهم فهو داخل في قوله تعالى: {وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ} [الأحزاب 35] , ومن صام في كل شهر أيام البيض: ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر فهو داخل في قوله: {وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ} [الأحزاب 35] , ومن حفظ فرجَه عمّا لا يحل له فهو داخل في قوله: {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ} [الأحزاب 35] , ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب 35] , فمحمَّد - صلى الله عليه وسلم - في الإسلام جبل راسخ, وفي الإيمان عَلَم شامخ, وفي القنوت بحر طافح, وفي الصدق سحاب سافح, وفي الخشوع إمام, وفي الصبر على الطاعة هُمام, وكان أبعد الناس عن المعصية, وأصبرهم على المَرْزِية, وكان أعظم الخلق بالصّدقة إيثارًا, وفي الهَواجر

على مواظبة الصوم اصطبارًا, وكان - صلى الله عليه وسلم - أمْلَكَ الخلق لإربه في الحلال فكيف عن الحرام, وأشد الناس مُثابرة على الصلوات والناس نيام, وكم في أمّته من قُطْبٍ استنَّ بسنّته, وكم فيهم من وليٍّ سار بسيرته, وليس ذلك لغير محمد - صلى الله عليه وسلم - (كما لَه, وليس لواحد من الأمم مثل ما) ولأمّته, ولا اجتمع في أهل ملل غير أهل ملّته.

وأما العشر التي في المؤمنين فقوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) } [المؤمنون: 1 - 11] ... فقد مضى ذكر الإيمان والخشوع وهنا ذكر الخشوع في الصلاة فإنّه أوكَدُ منه في غير الصلاة واللغو القبيح من القول وقد قال - صلى الله عليه وسلم: «إني لم أُبْعَثْ لعَّانًا ولا فحَّاشًا ولا سخَّابًا في الأسواق» , وقوله: {لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون 4] ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - صاحبَ مال, وعُرضت عليه - صلى الله عليه وسلم - كنوز الأرض فأباها ولم يكن فقره كفقر غيره من الناس الذين يأكلون الصدقات فإن الصدقة محرّمة عليه وعلى ذريّته وبَني عمّه إلى يوم القيامة, ففقره أعلى درجة من درجة الملوك , وهذه المرتبة أكمل من مرتبة صاحب مالٍ يُسأل من أين اكتسبه وفيما أنفقه, وفي أمّة محمد - صلى الله عليه وسلم - من أولياء الله الصّالحين مَن سُئل عن قدر الزكاة ما هو فقال للسائل: عندنا أو عندكم, وكان السائل فقيهًا, فقال السائل: وهل عندكم غير ما عندنا, قال: نعم, أنتم عندكم في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم حقّ الله, ونحن عندنا أنّ الكلّ حقّ الله و لهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ما يكن عندي من خير فلن ادّخره عنكم» وكان - صلى الله عليه وسلم - لا يدّخر شيئًا لغد, وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة.

وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون: 5] فقد تقدم شرف النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المقام, وأنه كان أملك الخلق لإربه, وفي أمّته عجائب في حفظ الفروج ومجانبة الزّنا كما يروى عن مَن حُصِر في بيت وأُغلق عليه ودُعي إلى الفاحشة فمنهم من ألقى نفسه من أعالي البيت فسَلِم, ومنهم من دخل الخلاء وتلطَّخ بالعَذرة وخرج في زيّ مجنون, وأمثال هذه الأمور كما سيأتي في قصّة يوسف عليه الصلاة والسلام, كل ذلك حفظًا للفروج وخوفًا من الله تعالى عن تعدِّي حدوده واللائمة يوم القيامة, وتقدّم الكلام في مراعاة العهود والوفاء بها والمحافظة على القيام بها.

وأما المحافظة على الصلوات فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - من المحافظة عليها في أوقاتها من الغاية, حتى إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبطأ ليلة فلم يخرج إليهم حتى ذهب ما شاء الله من الليل فقالوا: أبطأت عنّا يا رسول الله, فقال: «أبشروا فإنه ليس أحد ينتظر الصلاة غيركم» ولم يكن يومئذ يُصلَّى بغير المدينة, ولهم اختصاص الانتظار للصلاة بعد الصلاة, والمراعاة للجماعات والمشي إليها في الظلمات, حتى إنّ في هذه الأمّة من ذُكِر أنه لم يفته صلاة في جماعة إلا مرّة فصلى سبعًا وعشرين صلاة لما بلغه أن صلاة الجماعة تضاعف على صلاة الواحد سبعًا وعشرين ضعفًا والحكاية معروفة, وفي إسباغ الوضوء في المكروهات والمشي إلى الجماعات وانتظار الصلوات بعد الصلوات يَختصم الملأ الأعلى كما جاء في الحديث المشهور, فأولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون, وهذا الميراث إنما هو أنّ هذه الصلوات عرضت على من كان قبلهم فأضاعوها, كما قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} [مريم 59] فأوْرَثَ الله هذه الأمّة مكانهم الذي وعدهم على حفظ الصلوات لو حفظوها والله تعالى أعلم؛ واستثنى الله تعالى في سورة (سأل سائل) المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ممّن ذمّهم بالهَلع والجزع, وجعل الدائمين عليها المحافظين في جنّات مكرمين.

وأما العشرة التي ذكرها طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما من الفطرة التي أوتيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقد أوتيها محمد - صلى الله عليه وسلم - وزيادة عليها ففعلها هو - صلى الله عليه وسلم - وأمَّته على الوجه الكامل والحال الفاضل.

وأما قول مجاهد بأنها قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة 124] فقد كانت إمامة محمد - صلى الله عليه وسلم - أظهر وتبع الخلق له على دينه أشهر.

وأما قول الحسن أنها سبعة أشياء الكوكب والقمر والشمس فقد ذكرنا أنّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أوتي في صباه من الحفظ والإيقان والسلامة من أسباب الإشراك وإلهام التوفيق إلى الحق مافيه كفاية, وكذلك ذكرنا صبره - صلى الله عليه وسلم - على القتل بنفسه والتّغْرير بها في طاعة الله تعالى ماهو أعظم من الصبر على فقد الولد وألم الختان وصبره في هجرته - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة وبلواه كانت أعظم من صبر إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - في هجرته, فإنه خرج مختفيًا وقد بيَّته القوم كما ذكر الله - عز وجل - في كتابه ليقتلوه, ولما علموا أنه قد خرج بعثوا في طلبه في جميع الطرق وبذلوا الأموال الكثيرة لمن يقتله أو يأتي به, وقصته مع سُراقة في ذلك معروفة حتى قدم المدينة.

وأما قول أبي رَوْق أنها قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) ... } [الشعراء: 78] [الآيات] فإنّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كان من هذه الأمور بالمنزلة التي لايصل إليها غيره وهي ظاهرة مِن سيرته - صلى الله عليه وسلم -, وقد ذكرنا الكلام على قول بعضهم أنها ابتلاؤه في ماله وولده ونفسه وقلبه وأنّ الله اتخذه لذلك خليلًا, فمحمّد - صلى الله عليه وسلم - كان في هذه الأمور أكمل قدرًا وأعظم أجْرًا فإن الله تعالى اتخذه خليلًا حبيبًا.

وأما قول من قال: هي سهام الإسلام وهي عشرة شهادة أن لا إله إلا الله وهي الملّة فقد كان محمّد - صلى الله عليه وسلم - يدعوا إليها على الوجه الأتمّ, والحال الأعمّ كما صعد - صلى الله عليه وسلم - على الصّفا ونادى «يا صباحاه» فاجتمعوا فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم أنّ عدوًّا يُصَبّحكم أو يُمَسّيكم أكنتم مصدِّقي» , قالوا: ما جرَّبنا عليك كذبًا, قال: «فإني نذير لكم بين يدَي عذاب شديد» يعني أن تقولوا لا إله إلا الله, وكان يدعو إلى سبيل ربِّه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن كما أمره الله تعالى حتى أذن له في جهادهم فجاهدهم حتى أقام الدّين وظهر أمْرُ الله وهم كارهون وأقام الملّة العوجاء وقالوا: لا إله إلا الله.

وأما الصلاة فقد تقدم الكلام فيها وقال - صلى الله عليه وسلم: «أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ... » الحديث, وكذلك الحج والجهاد والطاعة والجماعة والألفة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أشرنا إلى ذلك وأنَّ محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - فعل هذه الأمور مع غيرها من شريعته وسنّته على أتمّ النظام وأكمل الأقْسام, فمرتبة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام جليلة, ومزيّته نبيلة, ودرجته أثيلة, ولا كمحمّد - صلى الله عليه وسلم - صاحب الوسيلة والمنزلة الرفيعة العريضة الطويلة صلوات الله وسلامه عليهما, وبركاته وتحيّاته واصلة إليهما, فقد تبين بالبرهان الواضح, والدليل الرّاجح, أن ماوَفّى محمد - صلى الله عليه وسلم - أبلغ مما وفّى إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - فإنه بلغ ما أوحي إليه من ربِّه سبحانه البلاغ المبين ولم يألُ جهدًا في توضيح أصول الدين, ولم يكتم شيئًا ممّا أوحي إليه, وسواءً كان ذلك له أو عليه كما قالت عائشة رضي الله عنها لمّا نزلت قصّة زيد - رضي الله عنه - من قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب 37] :"لو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كاتمًا شيئًا من الوحي كتم هذه الآية"فلم يمنعه من تبيلغ الوحي مانعٌ, ولا دفعه عن قول الحق دافعٌ, كما قال بعض أصحابه:"لقد تَرَكَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ومامن طائر يطير بين السماء والأرض إلا وقد ذكر لنا منه علمًا"واستنطق الناس في أعظم حَفْلٍ وأكثر جمعٍ يوم حجّة الوداع «ألا هل بلّغت» فيقولون: نعم, فيرفع يده إلى فوق وينكبها إليهم ويقول: «اللهم اشهد» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت