(فصل)
ومن خصائصه - صلى الله عليه وسلم - أنّه لما ولد فخرج من بطن أمّه وقع - صلى الله عليه وسلم - على الأرض ساجداً ورفع يده إلى السّماء كالمتضرّع المبتهل.
ومنها عجائب كانتْ ليلة ميلاده رأتها أمّه رأت ثلاثة أعلام مضروبات منها علم بالمشرق, وعلم بالمغرب, وعلم على ظهر الكعبة قالت: بينا أنا أتعجب من ذلك إذا بثلاثة نفر ظننت أن الشمس تطلع من خلال وجوههم في يد الواحد منهم إبريق من فضة وفي الإبريق ريح كريح المسك, وفي يد الثاني طست من زمرذ خضراء لها أربع نواحي وعلى كل ناحية من نواحيها لؤلؤة بيضاء, وإذا قائل يَقول: هذه الدنيا شرقها وغربها وبرّها وبحرها فاقبض يا حبيب الله على أيّ ناحية شئت منها قالت: فنظرت فإذا هو قابض على وسطها فسمعت قائلاً يقول: قبض على الكعبة ورب الكعبة أما إن الله تعالى قد جعلها لك قبلة ومسكناً,
ورأيت على يد الثالث حريرة بيضاء قد طُويت طيّاً شديداً فنشرها فأخرج منها خاتماً تحارُ أبصار الناظرين دونه فأخذه صاحبُ الطست وأنا أنظر إليه فغسله بماء الإبريق سبع مرّات ثم ختم بالخاتم بين كتفيه ختماً واحداً ولفه في الحريرة واستدار عليه بخيط من المسك الأذفر ثم حمله فأدخله بين أجنحته ساعة قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ذلك رضوان خازن الجنان قالت وقرأ في أذنه كلاماً كثيراً لم أفهمه وقبّل بين عينيه وقال له أبشر: يا محمّد فما بقي لنبيّ عِلم إلا وقد أُعطِيتَهُ وأنت أكثرهم علماً وأشجعهم قلباً معك مفاتيح النّصر وقد أُعطِيتَ الأمن من الخوف والرّعب ولا يسمع أحد بذكْرك إلا وَجِلَ قلبُه وخفق ولو لم يَرَك يا حبيب الله؛ ومنها: ما ذكر عبدالمطّلب أنّه كان عند الكعبة ليلة ولادة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لما انتصف الليل إذا أنَا بالبيت الحرام قد مال بجوانِبه الأربعة فخر ساجداً في مَقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام كالرّجل الساجد, ثم استوى قائماً وأنا أسمع له تكبيراً عجيباً ينادي: الله أكبر ربّ محمّد المصطفى الآن قد طهّرني ربّي من أنجاس المشركين وحميّة الجاهلية, ونظرت إلى الأصنام كلّها تنتفض كما ينتفض الثّوبُ, ونظرت إلى الصنم الأعظم هُبَل قد أكبّ على وجهه, وسمعتُ منادياً ينادي: ألا إنّ آمنة ولدتْ محمّداً - صلى الله عليه وسلم - وقد سَكبت عليه سحائبُ الرحمة هذا طست من الفردوس قد أنزل ليُغسل فيه؛ ومنها أنّ مهده - صلى الله عليه وسلم - كان يُحرك بتحريك الملائكة, كانت الملائكة تحرّكه وتطوف به تبرُّكاً به - صلى الله عليه وسلم -, وقال له العباس عمّه: دعاني إلى الدخول في دينك أمارات نبوّتك رأيتك في المهد تناغي القمرَ وتشير إليه بأصابعك فحَيثُ أشرتَ إليه مال فقال - صلى الله عليه وسلم: «كنت أحدّثه ويحدّثني ويُلهيني عن البكاء وأسمع وَجْبتَهُ حين يسجد تحت العرش» , وكان أوّل كلام تكلّم به أن قال: الله أكبر الله أكبر الحمد لله رب العالمين.
ومنها أنّ حليمة التي أرضعته قالت: أرضعته تحت شجرة يابسة فتعلَّق ببعض الشجرة فاخضرّت لمسّه إيّاها.
ومنها: أنّ ليلة ولد أصبحت أصنام الدّنيا منكوسةً, وأصبح عرش إبليس عَدوِّ الله منكوساً والملك المأمور به قد جعله في بطن البحار أربعين يوماً فانفلت منها أسوَدَ محترقاً هارباً ولم يبق كاهن في قريش ولا قبيلة من قبائل العرب إلا احتجب عن صاحبه, وانتزع عِلم الكهنة ولم يبق سريرٌ لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوساً والملك مخرساً لا ينطق يومه ذلك ومرّت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات, وكذلك أهل البحار بشّر بعضهم بعضاً به وكان في كل شهر من شهوره نداء في الأرض ونداء في السّماء: أنْ أبْشروا فقد آن لأبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - أن يخرج إلى الأرض المباركة مبارَكاً.
ومنها أنه لما وُلد ارتجس إيوان كسرى وسقط منه أربع عشرة شرافة وغاضت بُحَيرة ساوة وانقطع تلك الليلةَ الماءُ فلم يجر في بُحَيرة طبريّة وخمَدت النيران المعبودة في الأرض ولم تخمد قبل ذلك بألف عام.