فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 93

{فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ(39)}

فإن قيل: فقد أثنى الله على يحيى - عليه السلام - بقوله: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} [آل عمران 39] والحصور الذي لا يأتي النّساء؟

قيل: إنّ يحيى - عليه السلام - كان منفرداً بمراعاة شأنه, وكان محمد - صلى الله عليه وسلم - رسولاً إلى الخلق كافّة ليَقُودَهم وَيَحُوشَهُم إلى الله - عز وجل - قولاً وفعلاً, فأظهر الله تعالى به الأحوال المختلفة, والمقامات العالية المتفاوتة في متصرّفاته, ليقتدي كل الخلق بأفعاله ويتشبّه بأوصافه, فاقتدى به الصّدّيقون في حالاتهم, والشهداء في مراتبهم, والصالحون في أحوالهم, ليأخذ العالي والداني والمتوسط من سيرته قسطاً وحظّاً, والنكاح من أعظم حظوظ النفس وأبلغ الشهوات, فلهذا أمره الله تعالى بالنكاح وأوجبه عليه لما جبل عليه النفوس وطبعها عليه, ليتحصَّنُوا به من السِّفاح, ولما كان المقصود من النكاح التناسل قال - صلى الله عليه وسلم: «تناكحوا تكثروا فإنّي مُكاثر بكم الأمم» واجتمع عنده في وقت تسع نسوة وكان يطوف عليهن في الليلة الواحدة هذا مع توفّره على العبادة التي حَيّرت الخلق, فإنه كان يصلي حتى تورّم قدماه ويقوم الليلَ كلّه بالآية يردّدها يناجي بها ربَّه سبحانه: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] ويواصل في الصوم الأيام والليالي ويقول: «وأيّكم مثلي إني أبيت يطعمني ربّي ويسقيني» على أنه قال: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» فكان يبالغ في الصيام حتى يواصل فيه ومع ذلك فهذا شأنه في القوة على الجماع كما أشرنا إليه, ولما سئلت عائشة رضي الله عنها عن عمله في بيته فقالت: وأيّكم يطيق ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطيق, كان عمله ديمةً - صلى الله عليه وسلم -, والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت