(فصل)
وأما عيسى - صلى الله عليه وسلم - فَرُوح الله, وكلمته ألقاها إلى مريم, أعطاه (الله) تعالى الآيات البينات, والمعجزات الباهرات, كلّم الناس في المهد وكهلاً, وأنطقه الله تعالى بالعبوديّة والنبوّة طفلاً, وآتاه الإنجيل, وجعله يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله, وجعله مباركاً أينما كان, وله معجزات كثيرة, ومنقبات منيرة, منها قوله تعالى في حقّه: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران: 45] (فقد أعطي محمد - صلى الله عليه وسلم - من الوَجاهة في الدنيا والآخرة) حتى قبل أن يبعث - صلى الله عليه وسلم - كما أشرنا إليه ونبّهنا عليه من أن قريشاً كانت تسمّيه الأمين, ولمّا اختلفوا في وَضع الحجر الأسود مكانه عند عمارة الكعبة اجتمعوا على أن يضعه أوّل من يخرج عليهم, فخرج محمد - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: هذا الأمين, فرَضُوا كلّهم به لِما جمع الله تعالى (فيه) من الخصال المحمودة, والسيرة المرضية, والنسب الشريف, والحسب المنيف, (والبيت) , والجاه, والمنصب, والعشيرة, فلم يكن بمكة في زمانه أَوْجَه منه في جميع أموره, فلما بُعث - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة فلا يخفى ما ازداد من الوَجاهة, ولا يخفى ما أعطي من النّباهة.
وأمّا في الآخرة فله الجاه الأعظم والمقام الأكرم في محل الشفاعة حين يُدعا إليها آدمُ فمن دونه من الأنبياء وكُلٌّ يقول: لست لها, فإذا أفضت إليْه قال: أنا لها, فيَسأل اللهَ ثم يسأله فيعطيه ما طلب ويُشَفِّعُه في أهل المحشر فيحاسَبون ويَستريحون من شدّة ما كانوا فيه فيُشَفَّعُ فيهم, ثم إذا صار العصاة من أمّته إلى النار يُشَفَّع فيهم مرّةً بعد مرّة حتى لا يبقى في النار من قال: لا إله إلا الله إلا أُخرج بشفاعته, وذلك المقام المحمود الذي وُعِدَه - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء 79] فيَغبِطُهُ بهذا المقام الأوّلون والآخرون, فأيّ جاه في الدنيا والآخرة أعظم من هذا الجاه, وقد قال قوم من أهل العلم في قوله: {يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء 79] هو أن يُجلسه معه على العرش كما سيأتي, وأما القرب فأيّ منزلة أقرب من منزلة الحبيب, وهل نال أحد ما نال محمد - صلى الله عليه وسلم - من التقريب, أمَا هو الذي خُصّ بدرجة دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى حتى أوحى الله إليه ما أوحى.
فإن قيل: كان (عيسى) سياحاً جَوَّاباً جَوّالاً في البراري وسواحل البحار؟
قلنا: قد أشرنا قبلُ إلى سياحة نبينا - صلى الله عليه وسلم - وأمّته وأنّ منها الجهاد برّاً وبحراً وقد كان منهم ما أشرنا إليه وأضعاف ذلك, فكانت سياحة محمد صلى الله عليه وسلم وبارك أفضل وأكمل, ونفعها أعم وأحسن وأجمل, لأنه حصل في سياحته فتح البلاد وقتل الكفار الذين أظهروا في الأرض الفساد حتى استنفَد عشر سنين في إقامة الدين فتابَعه مالم يُتابِع نبياً قبله في أضعاف تلك المدّة ولا يقاربه, فإن نوحاً لبث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فما بلغ من كان معه من المؤمنين في السفينة مائة نفس, فكان محمد - صلى الله عليه وسلم - في مدّة نبوّته إمّا مجاهداً وإمّا مجهّزاً جيشاً أو سريةً أو باعِثاً بَعْثاً في إقامة الدين وإعلاء الكلمة وإبلاغ الرسالة وإسماع الدعوة حتى طبّق الأرض دينُه وذكْرُه وعَمّ البسيطةَ ظُهوره وقهرُه.
فإن قيل: إن عيسى عليه الصلاة والسلام كان زاهداً في الدنيا يُقنِعه اليسيرُ منها ويجتزي بالطفيف من البلغة حتى خرج من الدنيا كفافاً فلا له ولا عليه, قلنا: كذلك كان محمد - صلى الله عليه وسلم - كان يطوي اليومين والثلاثة لا يجد من الدقل ما يملأ به بطنه ويمكث الهلال إلى الهلال إلى الهلال ثلاثة أهلّه في شهرين ما تُوقَد في بيت من بيوته نار وإنما كان يتقوّتون بالأسودين التمر والماء إذا حصل وهم مع ذلك تسعة أهل أبيات ومات ودرعه مرهونة على أوساق شعير إدَّانَها قُوتاً لأهله ولم يترك إلا سلاحه وبغلته, وعيسى - عليه السلام - كان وحده لا ولد يجوع ولا بيت يخرب على أن الله تعالى قد كان عرض على محمد - صلى الله عليه وسلم - مفاتيح كنوز الأرض فأبى أن يقبلها وقال: «أجوع يوماً فأذكرك وأشبع يوماً فأشكرك» فمحمد - صلى الله عليه وسلم - أزهَدُ الأنبياء طُرّاً وأعظمهم فيه فضيلةً وفخْراً فإنه خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز بُرٍّ ثلاثة أيّام تباعاً وكان يربط الحجر على بطنه من الجوع ويطوي اللّيالي ما يجد ما يقتات وله ثلاث عشرة امرأة يَزِدن تارة ويَنقُصن أخرى سوى من يَطْرَأ عليه من خارج, وكان يلبس الصوف وينتعل المخصوف ويفترش إهاب شاة وكانت وسادته من أدَم حشوُها ليفٌ وكان لا يدّخر شيئاً لغدٍ وكان زهده في الدنيا وفقره معروف مشهور, ولمّا فتح الله تعالى عليه خزائن الملوك ووطّأ له أعناق الجبابرة ومكّن له في البلاد وأعطي من غنائم العباد, كان يقسم في اليوم الواحد ثلاثمائة ألف ويعطي الرجل المائة من الإبل والخمسين وما بين جبلين من الغنم, ويُمسي فيأتي السائل فيقول: «والذي بعثني بالحق ما أمسى في بيت من بيوت آل محمد صاع من شعيرٍ ولا تمرٍ» ولم يكن لعيسى - عليه السلام - من يطالبه بشيء لا زوجة ولا ولد ولا يحتاج إلى ما كان يحتاج إلى مثله محمد - صلى الله عليه وسلم -.
فإن قيل: عيسى - عليه السلام - دعا فنزلت المائدة وعليها أنواع من الطعام؟
قيل: دعاء محمد - صلى الله عليه وسلم - كان أعظم نفعاً وأكثر بركة وأحسن عاقبة, فإن المائدة كان فيها طعام مخصوص لقوم مخصوصين لم يكن عامّاً لجميع المخلوقين مع أن عاقبة نزول المائدة كان شراً على من طلبها من عيسى - عليه السلام -, فإنهم عُوقبوا إذ لم يشكروا ومُسِخوا خنازير إذ عَصَوا وادخروا, فكانت المائدة عقوبة لهم إذ عذّبهم الله تعالى عذاباً لم يعذب به من كان قبلهم, ثم ارتفعت هذا إن صحّ أنّها نزلت, فأما محمد - صلى الله عليه وسلم - فإن أمّته لما شكَوا إليه الجدب واستئخار المطر عن إبّانِ زمانه فقالوا له: ادع اللهَ يُغيثنا وكان يخطب على المنبر يوم الجمعة فرفع يديه ودعا فما نزل حتى جاء المطر وجاش كل ميزاب فلم يزالوا يُمطَرُون إلى الجمعة الأخرى, فقالوا: يا رسول الله تهدمت البيوت وانقطعت السبل فادع الله تعالى يحبسها عنا فدعا فأقلعت وانجابت عن المدينة انجياب الثوب وسالَ وادي قناةَ شهراً ولم يجئ أحد من ناحيةٍ إلا أخبر بالجَوْد.
فدعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانت نعمة ورحمة وبركة فإن المطر خير الأرزاق لجميع المخلوقات بل هو أصل الأرزاق كلها وأساس النعم جميعها وقد أنزل الله تعالى على جماعة من أمّة محمّد - صلى الله عليه وسلم - من السّماء طعاماً وشراباً عند حاجتهم إليه, وبُورِك لآخرين في قليل الطعام والشراب حتى سَدّ مسدّ الكثير وهذا أمر معلوم معهود في أمّته.
وقد روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لما فرغت مما أمرني الله تعالى به من أمر السماوات والأرض يعني ليلة المعراج قلت: يا ربّ إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرّمته, جعلت إبراهيم خليلاً, وموسى كليماً, وسخرت لداود الجبال يسبحن والطير, ولسليمان الريح والشياطين, وأحييت لعيسى الموتى, فما جعلت لي, قال: أوليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله أن لا أُذكَر إلا ذُكِرتَ معي وجَعلت صدور أمّتك أناجيل يقرؤن القرآنَ ظاهراً ولم أُعطها أمّةً, وأنزلت عليك كلمة من كنوز عرشي لا حول ولا قوة إلا بالله»
وقد أشرنا إلى هذا وسيأتي حديث الإسراء فيما بعد إن شاء الله تعالى, فقد ظهر فضل محمد - صلى الله عليه وسلم - على أولى العزم من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بما تيسر من ذكر فضائلهم وفضائل محمّد - صلى الله عليه وسلم - لما قابلنا بينهما, وأنه لم يؤتَ أحد منهم فضيلة إلا وقد أُعطي محمد - صلى الله عليه وسلم - مثلها وأعظم, وقد خُصّ بما لم ينالوا من جنسه شيئاً كما أشرنا إليه وكما ندلّ فيما بعد إن شاء الله تعالى عليه, ونحن نذكر بمشيئة الله تعالى وعونه وحسن توفيقه مما ورد في فضل غيرهم من الأنبياء وإن كان الفضل للمتقدم, فإن محاسن الأنبياء ومعجزاتهم تتوق الأنفس إلى سماعها ونبيّن فضل ما أوتي محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم على نحو ما تقدم من شأن أولي العزم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.